قراءة في كتاب

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5
خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

نادية الشرقاوي

 

 

 

معركة التنوير،

في آخر فصل من كتاب:"خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية" يعرض المؤلف مجموعة من الاستنتاجات من خلال تتبعه للنماذج الأربعة التي عرضها، وهذه مجموع النقاط المهمة التي تسطر النسوية الرافضة:

ü      هاجس "إصلاح الإسلام" عند النسوية الرافضة هو المسوغ الأوحد في هذه التجارب، منطلقه المساءلة والنقد حتى في المسكوت عنه لتوسيع فضاءات الحرية التي يشرعها عالم الغرب،

ü      تصريح رموز النسوية الرافضة بأن فضاءات الغرب الإنسانية أتاح لهن مساءلة المقدس ومحاورته، والدخول في حالة سجال،

ü      لا تفصل هؤلاء النسويات بين دين الإسلام وثقافة المسلمين، فالطريق إلى تحرير المرأة من المظالم والقيود هو إصلاح الإسلام نفسه،

ü      مواطن "الخلل" التي تزعمها النسوية الرافضة لا تتطلب بذل جهود مضنية لإبانتها وتوضيحها، فقد تم تداولها قديما قدم الإسلام وتناولها الكثير من المستشرقين المحدثين والباحثين المعاصرين الذين انكبوا على دراسة الإسلام،

ü      ما تنظر إليه "النسوية الرافضة" بكثير من الرفض، تعتبره "الإصلاحية الإسلامية" مجرد "شبه" تلحق بقراءة النص الديني أو الواقع المعيشي وتحتاج إلى تفسير وفق منهج التسويغ و"التخريج" دون مساس بصدقية النص الديني وبالأسس اللاهوتية والفلسفية التي يستند إليها، أما "السلفية أو الاتباعية الإسلامية" فتتعلق بمنهج "التسليم بما جاء" من غير جدال،

ü      خروج "نسويات الرفض" عن هذين المنظورين برغم زعمهن أنهن ينشدن "تأويل الإسلام" من أجل إصلاحه، غير صحيح، إذ أن هذا النوع من التأويل لا يوجد إلا عند إرشاد منجي، أما تسليمة نسرين وأيان حرسي ونجلاء كيليك فيستند منهجهن في الإصلاح إلى إحداث انقلاب حقيقي: علمانية إنسانية عند تسليمة نسرين، ومساءلة الدين وحل العقدة الجنسية عند أيان حرسي علي، ونقد الدين والثقافة والنزعة الأبوية عند نجلاء كيليك.

ü      بسبب الحساسية المفرطة عندهن وبسبب الخبرات الذاتية السيئة، يغلب على النسوية الرافضة في الاحتجاج على أحكام الدين الإفراط الانفعالي عن طريق الاستفزاز المر أو السخرية الجارحة من أجل الدفاع عن حقوق النساء، واستعمال العنف اللفظي حتى في حق المقدس الإسلامي: الله والنبي والقرآن.

هذا ملخص ما دوَّنه الدكتور فهمي جدعان بكل جرأة عن الحركة النسوية المنتمية للعالم الإسلامي في جغرافية الغرب "المتحرر" بكل تحركاتها، توضح كثيرا من وجوه ردود الأفعال التي تواجهها نسوية العالم الإسلامي، التي تحارب وتهمش نتاجاتها الفكرية بسبب الخلط الموجود بين هذا النوع من النسوية المنطلقة من المنظومة الفكرية للإسلام وبين النسوية الرافضة لكل ما له علاقة بالإسلام، حتى أن كل التهم التي يوجهها المهاجمون للإنتاج النسوي منطلقها حكمهم المطلق المستمد من الحكم على النسوية الرافضة التي تخدم أجندات غربية ويدعمها الغرب في وقت معين لأنها تعلن رفضها صراحة للدين الإسلامي ولا تجعله مرجعية لها.

فهذا الكتاب يشكل في إطاره العام رؤية نقدية لمجموعة من النسويات اللواتي اخترن أن يغرِّدن خارج البيئة التي نشأن فيها أو خارج السرب مثلما اختار المؤلف أن يعبر عن ذلك بذكاء، تمثيلا منه لسرب الطيور الذي يرمز إلى الجماعة، فالذي يخرج من الجماعة من الطبيعي أن لا يستوعب معاناتهم ولا يعيش همومهم، وبالأحرى أن يجد لهم حلولا، والمفروض من الذي يريد أن يقدم حلولا للجماعة أن يكون من بني جلدتهم وأن يعيش معهم الهم ولا يهرب من الواقع وينقلب عليه، فهذه ليست إلا حالة اليائس الذي يختار الخروج من الدائرة، ويتمرد على التاريخ والبيئة، وتمرده لم يمنعه من السقوط في فخ التيه والمعاناة، فكونهن متمردات ورافضات لمجتمعاتهن ويعتبرن أنفسهن ضحايا مجتمع متخلف لم يمنعهن ذلك من أن يسقطن بفكرهن الشاذ ضحية مجتمع آخر يغري بشعار الحرية والتحرر.

 

وهنا نؤكد على نجاح المؤلف في عملية التوصيف والتمييز التي سطرها في مؤلفه، فتقييم المؤلف لاتجاهات النسوية في محله، ينبني على أسس علمية ومقدمات منهجية ونتائج صحيحة، حيث وضع المؤلف قلمه على التصنيفات بدقة المفكر المستوعب للقضية التي يتعامل معها، وجمع المشترك، وميّز بين الفوارق، فلا يمكن بعد الانتهاء من قراءة هذا الكتاب المهم أن نخرج بنموذج واحد للحركة النسائية الإسلامية، لأن المنطلقات والدوافع تختلف، والأهداف تختلف، وبطبيعة الحال فالمناهج تختلف بين التشدد والوسطية في تثبت الرؤية الصحيحة.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

"قد تتساءلون: من أكون حتى أجرؤ على مخاطبتكم على هذا النحو؟ أنا مسلمة رافضة، وذلك لا يعني أنني أرفض أن أكون مسلمة، إنني أرفض ببساطة الانضمام إلى جيش من الآلات المتحركة باسم الله" الصفحة 155. إرشاد منجي وجه آخر من أوغندا، تلقت تعليمها بداية في مدرسة مسيحية ثم التحقت بمدرسة دينية تقليدية إسلامية، مثلت لها هذه الأخيرة صدمة عنيفة قبالة المدرسة المسيحية المتسامحة، تساؤلاتها واحتجاجاتها كانا سببا في طردها من المدرسة، فكان لذلك وقع كبير عليها حتى كادت تخرج من دائرة الإيمان الإسلامي لولا مقاومتها، وشق الطريق للتعرف على الإسلام من وجهة نظر خاصة واجتهاد فردي.

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

تسليمة نسرين أو "امرأة غاضبة" كما سمّاها المؤلف، هي أول مثال ساقه المؤلف للنسوية الرافضة، وبكلمات تعبر عن طبيعة غضبها يفتتح الفصل الثاني الذي يمتد بين الصفحة 85 والصفحة 117.

" أستطيع أن أقول إنني منذ سن السادسة قد أدركت قسوة هذا العالم، هذا العالم الذي لا يوجد فيه شيء أعظم شقاء من أن يحيا إنسان ما حياة امرأة"[1].

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 2

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 2

بداية يعرف فهمي جدعان النسوية الإسلامية فيقول: "هي تشكل مساءلة النص عند نفر من المسلمات لا ينتمين إلى ما أسمته بعضهن:" الإسلام العربي" وإنما ينتمين إلى شعوب إسلامية غير عربية، ونشطن في بيئاتهن الأصلية أو في بيئات غربية انتقلن إليها أو هاجرن إليها راغبات أو مكرهات وثمة بكل تأكيد من بينهن رائدات عربيات. فالنسوية الإسلامية باختصار منطلقها: الإسلام، ومنهجها: إعادة القراءة والتأويل، وهدفها: إنجاز قراءة نسوية جديدة للإسلام."