قراءة في كتاب

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4
خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

نادية الشرقاوي

 

 

إرشاد منجي مسلمة حرة: تلفزيون شاذ واجتهاد،

 

"قد تتساءلون: من أكون حتى أجرؤ على مخاطبتكم على هذا النحو؟ أنا مسلمة رافضة، وذلك لا يعني أنني أرفض أن أكون مسلمة، إنني أرفض ببساطة الانضمام إلى جيش من الآلات المتحركة باسم الله" الصفحة 155.

 

إرشاد منجي وجه آخر من أوغندا، تلقت تعليمها بداية في مدرسة مسيحية ثم التحقت بمدرسة دينية تقليدية إسلامية، مثلت لها هذه الأخيرة صدمة عنيفة قبالة المدرسة المسيحية المتسامحة، تساؤلاتها واحتجاجاتها كانا سببا في طردها من المدرسة، فكان لذلك وقع كبير عليها حتى كادت تخرج من دائرة الإيمان الإسلامي لولا مقاومتها، وشق الطريق للتعرف على الإسلام من وجهة نظر خاصة واجتهاد فردي.

أشرفت على برنامج خاص في (تلفزيون شاذ) في تورنتو في كندا، وأنتجت أفلاما سينمائية عن حياة "المثليين" في العالم الإسلامي، كما أنتجت فيلما وثائقيا عن "الإسلاموية" أو الإسلام الأصولي، وكانت ضمن مجموعة الموقعين في "بيان الاثني عشر" إلى جانب سلمان رشدي وأيان حرسي علي وتسليمة نسرين.

ترأست حركة:"مسلمة رافضة" (Muslim Refuznik)، لها كتاب بعنوان:"The Trouble with Islam Today" صدر في عام 2003، تم نقله إلى لغات عدة وأثار جدلا واسعا في أنحاء مختلفة من العالم.

تضع إرشاد منجي نفسها في دائرة الإصلاح الإسلامي الليبرالي، وعلى رأس القضايا التي تثيرها "نقد النص القرآني"، وتطلق أسئلة كبيرة حول "تناقضات القرآن"، استعملت في ذلك لغة ساخرة بإسراف ينفر منها عموم المسلمين، ومع أنها تظل متمسكة بانتمائها إلى الإسلام إلا أنها تحمل حملة شعواء على "إسلام الصحراء".

اشتهرت كنسوية، وصرحت بشذوذها الجنسي، ودافعت عن المثلية والمثليين المسلمين والسحاقيات المسلمات، واعتبرتها قضيتها المركزية، حاولت أن تجد لذلك سندا وحجة من القرآن الكريم، ولذلك تقول:"لقد جاء في القرآن أن التنوع هبة مباركة للطبيعة فما الخطب إذن؟" الصفحة 161.

لماذا تجلد امرأة مغتصبة؟؟ لماذا يحظر القرآن على المرأة أن تؤم الصلاة؟ ماذا يمكن أن يقال في شأن "التمايز" بين الرجل والمرأة؟ وأيهما خلق الله أولا: آدم أم حواء؟ هذه هي التساؤلات التي تطرحها وتناقشها إرشاد منجي، لتستنتج أن: "القرآن ليس مساواتيا على نحو بديهي بالنسبة للمرأة، وهو ليس بديهيا في شيء، اللهم إلا أن يكون ذلك في طابعه الملغز"، وتضيف:"أن المسلمين هم الذين يصدرون صكوك الغفران باسم الله، والقرارات التي نتخذها على أساس القرآن لا تملى علينا من السماء ولكن نتخذها نحن بملء إرادتنا الإنسانية" الصفحة 163.

ينطوي "المشروع الإصلاحي الإسلامي الليبرالي" الذي تدعو إليه إرشاد منجي في شأن المرأة على وجهين: الأول نقدي راديكالي والثاني بنائي تأسيسي تسميه "عملية اجتهادية" تبدأ من قدرات النساء المسلمات على ممارسة الأعمال التجارية بحيث تتحول قيمة الشرف إلى قيمة الكرامة، ففي ذلك يكمن الإصلاح العملي للإسلام، وتستشهد بنموذج السيدة خديجة زوجة الرسول الأولى.

تؤكد إرشاد منجي أن تفسيرها الخاص للقرآن يقودها إلى ثلاث رسائل:

الأولى: أن الله وحده يعلم حقيقة كل شيء علم اليقين.

الثانية: أن الله وحده يحاسب غير المؤمنين، ويوفق بين الاختلافات في النصوص.

الثالثة: أن إنسانيتنا تجعلنا أحرارا في التعامل مع مشيئة الله دون قسر على إتباع منهج مفروض.

في الأخير يلخص المفكر فهمي جدعان عمل إرشاد منجي الاجتهادي فيقول:(يظهر بوضوح أن "عملية الاجتهاد" التغييرية التي تقودها إرشاد منجي تهجر هجرا تاما التفسير الحرفي للقرآن وتتجه صوب التفكير الحر فيه، وذلك لتقويض "الإسلام القبلي" ذي الأسس البدوية العربية، وتنقية السجل البائس للعالم الإسلامي في مجال حقوق الإنسان، الذي يشمل حقوق المرأة) الصفحة 172.

 

نجلاء كيليك، العروس الغريبة والأنا الطاردة:

 

"أيا ما كانت الرسالة الإسلامية جميلة، فإن الإسلام ينطلق من المبدأ القائل إن الإنسانية لا تتكون إلا من الرجال، أما النساء فإنهن لسن جزءا من الإنسانية، لا بل إنهن يشكلن تهديدا لها" الصفحة 177.

 

نجلاء كيليك تركية الأصل ألمانية الإقامة، نشأت في أسرة شديدة القسوة تمارس شعائر الإسلام باعتبارها جزءا من الثقافة،  تقول نجلاء:"لم يكن والدي  أبدا مسلمين ملتزمين، وقد أصبح نمط حياتهما في اسطنبول أقرب إلى أن يكون غربيا، لم تضع أمي حجابا أبدا، ولم يخطر لها ذلك ببال... كنا نحتفي بشهر رمضان ويروق لنا الصيام فيه، وكنا نحتفل بعيد الأضحى مثلما يحتفل في ألمانيا بالأعياد المسيحية، لأن ذلك جزء من الثقافة" الصفحة 179.

انخرطت نجلاء في الحياة الألمانية منذ الطفولة، وخلال الثمانية أعوام الأولى من الإقامة ساء حال الأسرة وتخلى الأب عن مسؤوليته عائدا إلى تركيا.

انتفضت على قانون الأسرة ورفضت الالتزام بالتقاليد وأصبحت ثورية متحمسة للماركسية، عملت قطيعة مع والدها، لأنها كانت تعتبره سبب شقائها، وكتبت سيرتها الذاتية في كتاب سمته:"الأبناء الضالون: مرافعة من أجل تحرير الرجل المسلم" تستحضر فيه علاقتها بوالدتها التي كانت دائما في موقع ضعف وعلاقتها بوالدها الذي كان شديد التسلط والقسوة.

في بحثها عن الحرية، بدأت تثير الكثير من الأسئلة وتضع العادات والأعراف القديمة المرتبطة بالعقيدة الإسلامية موضع شك، وتعيش الحرية في شكلها في الحياة الغربية، عرضت في كتابها "العروس الغريبة" مسارها الجديد في البحث في قضايا الأقلية التركية المسلمة في ألمانيا ومسألة اندماج الأتراك المسلمين المطلق في المجتمع الألماني بقيمه الحداثية، بنقد جارح للأخلاق والعادات والتقاليد التركية-الإسلامية.

تنطوي أبحاث نجلاء كيليك من خلال كتابيها على أطروحة مركزية تحكم العملين وهي أن الصعوبة في الاندماج آتية من الثقافة ومن الدين، ولأن هذين مضادان لقيم الأنوار والحداثة فإنه يتعذر تماما إدراك الاندماج إذا لم تتم زعزعة قواعد هذين الأصلين، إن لم نقل تدمير هذين الأصلين، فالثقافة والدين مضادان لقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وأحد الأمثلة التي تستشهد بها على هذه الحالة العروس المستوردة التي تم تزويجها بزواج قسري أو بزواج مدبر عائليا، وتستقصي نجلاء حالات عديدة لنساء أو فتيات تركيات مسلمات ومهاجرات تكتنف حياتهن هذه الأوضاع الكارثية التي وصفتها في كتابها، وفي نفس الوقت تطرح نجلاء أسئلة كثيرة حول الحجاب، معتبرة أن فرضية الحجاب كانت لأسباب خاصة، فأصبح مفتاحا رمزيا للثقافة الإسلامية، وإجراء لحماية النساء من التعدي الجنسي للرجال.

ويلخص المؤلف ما يتعلق بنجلاء كيليك في آخر الفصل، ويبين أن المسلك الذي نهجته أكبر سماته الغلو والتحيز للأنا وأنه منهج لا يخلو من الشطط فيقول:"ومثلما هي حال النسويات الرافضات فإن سمة الغلو تلحق برؤى نجلاء كيليك ومواقفها على وجه العموم....ثم إن نجلاء كيليك في جملة عروضها وتحليلاتها، تهمل إهمالا كاملا "معاندة" بلد الهجرة لآمال ومطامح ورغبات وحاجات المهاجرين الذين ترتضيهم على أرضها....فضلا عن أشكال "التمييز" التي يلقونها في الحياة اليومية وفي العمل."



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

تسليمة نسرين أو "امرأة غاضبة" كما سمّاها المؤلف، هي أول مثال ساقه المؤلف للنسوية الرافضة، وبكلمات تعبر عن طبيعة غضبها يفتتح الفصل الثاني الذي يمتد بين الصفحة 85 والصفحة 117.

" أستطيع أن أقول إنني منذ سن السادسة قد أدركت قسوة هذا العالم، هذا العالم الذي لا يوجد فيه شيء أعظم شقاء من أن يحيا إنسان ما حياة امرأة"[1].

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 2

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 2

بداية يعرف فهمي جدعان النسوية الإسلامية فيقول: "هي تشكل مساءلة النص عند نفر من المسلمات لا ينتمين إلى ما أسمته بعضهن:" الإسلام العربي" وإنما ينتمين إلى شعوب إسلامية غير عربية، ونشطن في بيئاتهن الأصلية أو في بيئات غربية انتقلن إليها أو هاجرن إليها راغبات أو مكرهات وثمة بكل تأكيد من بينهن رائدات عربيات. فالنسوية الإسلامية باختصار منطلقها: الإسلام، ومنهجها: إعادة القراءة والتأويل، وهدفها: إنجاز قراءة نسوية جديدة للإسلام."