قراءة في كتاب

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3
خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

نادية الشرقاوي

 

 

 

 تسليمة نسرين أو مرافعة امرأة غاضبة:

تسليمة نسرين أو "امرأة غاضبة" كما سمّاها المؤلف، هي أول مثال ساقه المؤلف للنسوية الرافضة، وبكلمات تعبر عن طبيعة غضبها يفتتح الفصل الثاني الذي يمتد بين الصفحة 85 والصفحة 117.

" أستطيع أن أقول إنني منذ سن السادسة قد أدركت قسوة هذا العالم، هذا العالم الذي لا يوجد فيه شيء أعظم شقاء من أن يحيا إنسان ما حياة امرأة"[1].

 

بين فهوم الإصلاحيين التقليدية والمنظور التأويلي النسوي المجاوز لفهوم الإصلاحيين والحافظ لمكانة وقدسية النص الديني، ظهرت الحرية في أشد أشكالها عنفوانا وحدّة مع فئة "النسوية الرافضة"، حيث اتجهت هذه الفئة إلى الاستقلال المطلق والنقد الجذري والتحرر من كل سلطةّ، وبقدر ما تحمله هذه الحرية لهذه النسوية من الجذب والإغراءات فهي تحمل أيضا بعض المخاطر، فإذا كان همّ "النسوية الإسلامية" هو "إصلاح الإسلام" أو بمعنى آخر حسب المؤلف "علمانية صريحة"، فالنسوية الرافضة همُّها "رفض الأساس الميتافيزيقي أو اللاهوتي الذي يقوم عليه الإسلام"[2].

في سياق الحديث عن تسليمة نسرين ارتأى المؤلف أن يقف وقفة مع بعض الأحداث التي أججت موضوع الإسلاموفوبيا في الغرب وفي فرنسا بالذات، والتي ترتب عنها إصدار قرار حظر الرموز الدينية خصوصا "الحجاب"، ومع بعض الكتابات النقدية التي تبين بعض الممارسات التعسفية للرجل على المرأة المسلمة، فكان أول ظهور لمجموعة "النسوية الرافضة" أو "نسوية الرفض الإسلامي"، بعد إصدار مجلة شارلي إيبدو "بيان الإثنا عشر"[3] الذي دعا إلى التعميم الكوني لحرية التعبير وذلك بعد الرسوم الدانمركية المسيئة لرسول الإسلام.

تؤكد تسليمة نسرين أن البيئة التي نشأت فيها هي التي دفعتها إلى اتخاذ هذا الموقف من الدين والمجتمع والدولة وإلى التشدد في الرؤية النقدية وتعميق النزعة الدونية لديها، وذلك حسب ما دونته في سيرتها الذاتية "طفولة في صيغة المؤنث"، والتي جعلتها تفكر في مجموعة من الأسئلة المربكة عن المجتمع البنغالي الذي تنتمي إليه ولم تجد لها جوابا في طفولتها، بخصوص سلطة الرجل، الحجاب التعدد، الطلاق، توزيع الإرث، الشهادة...

كتاباتها كانت مناهضة لما تسميه "الهذيان الديني" بلغة عنيفة وساخطة ولسان مقذع، ويوضح المؤلف هذا الاتجاه الذي تمثله تسليمة نسرين مع رفيقاتها بقوله:" كانت نسوية تسليمة نسرين متجذرة في تجليات الدين في الحياة الاجتماعية اليومية وفي "استخدام" الأصوليين الإسلاميين للدين في حراكهم الاجتماعي والسياسي وفي منظورهم "الديني" –أو الدنيوي- للنساء، هذا المنظور الصادر عند تسليمة نسرين، عن طبيعة الدين نفسه وماهيته، وفق ما تمثله من المعطيات الواقعية ومن طريقتها في فهم (النصوص)" الصفحة: 97.

يقدم لنا المؤلف مجموعة من الأفكار التي تؤمن بها تسليمة نسرين في منهجها الرافض، فهي تنتقد النصوص الحديثية وتعتبرها مسيئة لإنسانية المرأة وكرامتها، وتدعو إلى تحطيم قيود الدين والمجتمع الذي يمارس السلطة لاضطهاد المرأة، وتعتبر الزواج بمثابة الرق الشرعي الذي يمنح سلطة للرجل على المرأة بامتلاكه حق الطلاق وحق الزواج بأربع نساء وحق الضرب، وأن مدونة الأحوال الشخصية هي نص تمييزي يكرس اللامساواة الاجتماعية، والحجاب ما هو إلا خطاب يحجب المرأة عن الفضاء الخارجي، كما تدعو إلى إلغاء التفاوت بين الرجال والنساء في الإرث، وتعتبر أن هذا التمييز هو السبب في خلق مواطنات من الدرجة الثانية.

كما أنها تحمل الدين مسؤولية التعاظم والتفاوت الموجود بين الرجال والنساء، وتعتبره مضادا للمساواة، ومادامت الدولة والمجتمع متواطئان معه فجذور الظلم لا يمكن أن يوضع لها حد.

هذه الأفكار التي تنادي بها تسليمة نسرين تعكس النزعة الماركسية التي تشبعت بها من خلال قراءات كثيرة لمنظري المذهب الاشتراكي، أمثال لينين وجوركي وغيرهما.

وتؤكد تسليمة نسرين وتيرة الاحتجاج والنقد والغضب في وجه الدين والمجتمع والدولة في كتابها:"امرأة شابة غاضبة"، وتُحمل هذا الثالوث المقدس معاناة ومحنة المرأة البنغالية.

لم تقف بها هذه الأفكار ذات النزعة الماركسية عند هذه الحدود، بل وصلت بها إلى بوابة الإلحاد، حيث أصبح موقفها العقدي واضحا من خلال النقد الحاد لتوجهات الإسلام، وتصرح تسليمة نسرين بذلك علانية فتقول:" إنني لا أؤمن أبدا بما يذهب إليه أولئك الذين يدافعون عن هذه الفكرة، وأنا أعتقد خلافا لذلك، أنه طالما كان الدين ماثلا فسيكون ثمة أصولية، الاثنان مترابطان" الصفحة: 106.

ونجد ذلك واضحا في مجموع أشعارها، التي عبرت من خلالها رفضها للمجتمع الذي نشأت فيه بلغة عنيفة طالت كل أشكال المقدس حتى نبي الإسلام ونسائه، ومن تلك العناوين:" حياة أخرى"، "نساء: أشعار حب ونضال"، "سيرة ذاتية"، وهي في هذا الأمر تحاكي سلمان رشدي صاحب آيات شيطانية الذي كانت إلى جانبه في توقيع بيان "الإثني عشر".

ولتدافع عن موقفها نشرت أرقاما تزكي إلحادها وتبين أن عدد اللادينيين غير يسير، وهو عدد يشكك المؤلف في صحته وفي مدى استيثاقه.

لكن تبقى مشكلة تسليمة نسرين الكبيرة مع الدين تظهر في شكل دفاع عن حقوق النساء، إذ تَعُد كل الأديان بلا استثناء معادية للحرية ولحقوق النساء، ولا تعترف بقوة الدين بقدر ما تعده وسيلة وسلاحا في أيدي الحكام من أجل بقاء الشعوب في حالة جهل.

 

أيان حرسي علي: قفص العذارى،

"أيان حرسي علي" العاصية هي ثاني نموذج للنسوية الرافضة التي تعرض لها المؤلف، "طموحها الحقيقي أن تكون فولتير الإسلام وأن تهاجم الدين وتسحق الدجال، كانت فعلا تريد أن تستفز" هكذا وصفها البروفيسور "أفشين إيليان".

بعيدا عن الصومال بلدها الأصلي اختارت أيان حرسي علي أن تقود معركتها من أوروبا وبالضبط من هولندا، ظهر حقدها على الإسلام من خلال سيناريو وحوار فيلم قصير كتبته بعنوان:"الخضوع"، ومن خلال سيرتها الذاتية المعنونة بــ:"على سلم العذاب"، لتعلن عداوتها صراحة للإسلام فتقول: "فكرتي المركزية هي أن الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية معاديان للنساء".

تميزت طفولتها بالاضطراب، فقد عاشت حياة مليئة بالصدمات، رأت فيها خنوع وطاعة الأم، ولامبالاة وخيانة الأب، هذه الحياة خلقت لديها نفورا من الدين، فكان نقدها للإسلام والمسلمين ولنبي الإسلام والقرآن راديكاليا وعنيفا، استطاعت أن تصل إلى هولندا، البلد الذي تراه:"بلد الحرية والاستقلال الذاتي والفكر النقدي والديمقراطية، بلد سبينوزا" الصفحة 123، نجحت في أن تحصل على الجنسية الهولندية، وبدعم حزبها السياسي صارت نجما في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، عبّرت من خلال موقعها السياسي عن راديكالياتها في نقد الدين الإسلامي باللجوء إلى العنف اللفظي وإلى التكنولوجيا الموجهة لصدم المخيلة بالصور والأصوات بالإساءة إلى الذات الإلهية والصلاة والآيات القرآنية ووضع علاقة الله بالإنسان موضع شك.

يؤكد المؤلف اضطراب أقوالها في الكثير مما تدعيه بشأن وجود الله والعالم الآخر، فقد أظهرت إلحادها مباشرة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وزعمت أن هذه الأحداث كانت السبب المباشر وراء إلحادها، كما أنها زعمت أنها مارست بعض النشاط في صفوف الإخوان المسلمين في الصومال وكينيا، وهو ادعاء غير صحيح حسب المؤلف، فقد أكدت في سيرتها الذاتية التي كتبتها أنها منذ أكثر من أربع سنوات اكتشفت نفسها ملحدة، وكان ذلك مباشرة بعد قراءة الصفحات الأولى لكتاب:"البيان الإلحادي" في سنة 2002.

تعتقد بإلحادها أنه جاء دور الإسلام لكي يوضع على المحك، مثلما حصل للمسيحية مع سبينوزا في نقده للمسيحية، على حد فهمها السطحي لعلاقة سبينوزا بعلاقة العقلانية بين وجود الله وعدمه.

يرى فيها أفشين إيليان المرأة التي ستنقذ الحضارة الإسلامية: "الحل للمشكلة الإسلامية هو في أن يأتي فولتير مسلم أو نيتشه مسلم، أي أفراد مثلنا نحن الزنادقة: أنا وسلمان رشدي وأيان حرسي علي" الصفحة: 126.

تنسب إيان حرسي علي نفسها إلى الموجة النسوية الثالثة التي ترفض أن تناضل باسم الله أو باسم دين الإسلام، ولهذا نجد المفكر فهمي جدعان يركز على نسف الأسس الفكرية التي تنطلق منها، خصوصا فيما تستدل به في خطاباتها المنسوبة إلى فلاسفة الغرب فهي شواهد محدودة ومبسترة، بحيث لا تحتفظ من الفلاسفة إلا بالنقد السبينوزي والفولتيري لليهودية والمسيحية، وفيما يخص النصوص الدينية في الإسلام فهي تعتمد الإسلام الشعبي والأسطوري الإفريقي أو الإسلام الوهابي أو الإسلام الواقعي الماثل عند المهاجرين، ولا تطلب التحقق من دلالات النصوص الدينية أو الاجتهاد في فهم المشكل منها.

ويسطر المؤلف بعض المقدمات المنهجية في المقاربة التي تعتمدها أيان حرسي، ليتبين من خلالها أن النسوية التي تتعلق بها أيان حرسي لا تعني أبدا "إعادة قراءة الإسلام" والاجتهاد في "تأويل" نصوصه، وإنما هي "نسوية انقلابية رافضة" تصدر عن عقل وجداني مأزوم، ومن هذه المقدمات:

أولا: استخدام حق الحرية في الفضاء الغربي وبمباركة النظام السياسي الغربي.

ثانيا: التحرر من الرقابة الدينية أو الإلهية ومتعلقاتها الدنيوية والأخروية.

ثالثا: اعتبار القرآن لا يتعدى أن يكون وثيقة تاريخية من صنع الإنسان.

رابعا: دين الإسلام دين اضطهاد وقمع وحظر للفكر النقدي وعائق للتقدم الاجتماعي للرجال والنساء.

خامسا: اعتماد خطاب عاصف استفزازي حاد وساخر للتغيير.

سادسا: الإيمان بعلمانية المجتمع والدولة.

سابعا: المبدأ والمنتهى هو الأنا الفردي والجماعة المتفردة.

انتهازية إيان حرسي التي حولتها إلى هولندية تحمل قبعة الشوفينية اليمينية الهولندية أتاحت لها أن تثأر لنفسها من كل صدماتها لكنها جعلت منها ضحية لهذه الحرية، فهي تفسر تخلف عالم الإسلام عن الغرب بثلاث عناصر:

  • علاقة الفرد بربه علاقة خوف وطاعة مطلقة.
  • الإسلام لا يعرف إلا مصدرا مرجعيا واحدا وهو النبي.
  • الأخلاق الجنسية المستمدة من القيم القبلية هي المتحكمة في وضع المرأة، وأن الماهية النسوية تتمثل تحديدا في البكارة والعذرية.

هذه النقط الثلاث وخصوصا النقطة الأخيرة المتمثلة في انتقادها للأخلاق الجنسية تعكس تجربتها الشخصية مع المسكوت عنه الذي أرادت أن تحوله إلى واقع طبيعي ومشروع، وهو الأمر الذي أكده المؤلف وشدد عليه من خلال المحاور التالية:

ü                  إبراز نقدها اللاذع للدين الإسلامي وبيان مظاهر الكراهية والقسوة والغضب والتحامل التي تصبها على هذا الدين، حتى أنها وصفت نبي الإسلام بـكثير من الأوصاف الشاذة (منحرف الجنس إلى الأطفال- إرهابي)، يقول  في نفس السياق:" على أن "نسوية الرفض" عند إيان حرسي علي تتفجر على نحو غير عادي عند مسألة دقيقة حادة، ذات رجع خاص عندها بكل تأكيد، هي مسألة "العفة الجنسية الإسلامية" المتمثلة في (البكارة) وفي (العذرية) في الحياة الجنسية قبل الزواج، وقد يتبين المدقق هنا في ألفاظها وعباراتها وطريقة مقاربتها، بل عيشها للمسألة، أعراض "عقدة" متجذرة في "أناها" العميق، هي "عقدة البكارة" والعذرية" الصفحة 138.

ü                  إيمانها الشديد بأن الغرب هو وحده الذي يقدم سياقا للحرية حتى أنها صارت تقدم نفسها واحدة من الغرب، ليس أمرا مطلقا فحتى هولندا التي تحتضنها وتدعمها جردتها بعض الوقت من هذه الجنسية (الصفحة 146)،

ü                  زعمها أنه ليس ثمة إلا إسلام واحد، وأن الإسلام لم يعرف إلا القراءة الوهابية وإقصاؤها لباقي التفسيرات والتأويلات، فيه تهميش لكثير من التأويلات والتفسيرات الموجودة في الفكر الإسلامي.

ü                  تبرهن بكل يقين على أنها تتقن فن الكذب من خلال إنكارها لدور صدمات طفولتها ومشكلات حياتها الأسرية وعلاقتها بأمها وأبيها وأختها...

هذه هي معركة أيان حرسي واضحة بيّنة: عداء شرس للإسلام ولكل أشكال التسامح والتهاون باسم التعددية الثقافية وتنكر للمجتمع الذي نشأت فيه ورفض تام لكل ما له علاقة بالخالق.

 


[1] الصفحة 85، مقتبس من كتاب:"طفولة في صيغة المؤنث" لتسليمة نسرين.

[2] الصفحة: 87.

[3] "بيان الإثني عشر: معا في وجه التوتاليتارية" نشر هذا العدد مارس عام 2006، كان من بين الموقعين تسليمة نسرين- أيان حرسي علي- إرشاد منجي- سلمان رشدي.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

"قد تتساءلون: من أكون حتى أجرؤ على مخاطبتكم على هذا النحو؟ أنا مسلمة رافضة، وذلك لا يعني أنني أرفض أن أكون مسلمة، إنني أرفض ببساطة الانضمام إلى جيش من الآلات المتحركة باسم الله" الصفحة 155. إرشاد منجي وجه آخر من أوغندا، تلقت تعليمها بداية في مدرسة مسيحية ثم التحقت بمدرسة دينية تقليدية إسلامية، مثلت لها هذه الأخيرة صدمة عنيفة قبالة المدرسة المسيحية المتسامحة، تساؤلاتها واحتجاجاتها كانا سببا في طردها من المدرسة، فكان لذلك وقع كبير عليها حتى كادت تخرج من دائرة الإيمان الإسلامي لولا مقاومتها، وشق الطريق للتعرف على الإسلام من وجهة نظر خاصة واجتهاد فردي.

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 2

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 2

بداية يعرف فهمي جدعان النسوية الإسلامية فيقول: "هي تشكل مساءلة النص عند نفر من المسلمات لا ينتمين إلى ما أسمته بعضهن:" الإسلام العربي" وإنما ينتمين إلى شعوب إسلامية غير عربية، ونشطن في بيئاتهن الأصلية أو في بيئات غربية انتقلن إليها أو هاجرن إليها راغبات أو مكرهات وثمة بكل تأكيد من بينهن رائدات عربيات. فالنسوية الإسلامية باختصار منطلقها: الإسلام، ومنهجها: إعادة القراءة والتأويل، وهدفها: إنجاز قراءة نسوية جديدة للإسلام."