دراسات

مدارسة علمية حول تقرير "الدين والمساواة بين الجنسين"، الصادر عن هيئة الأمم المتحدة
مدارسة علمية حول تقرير "الدين والمساواة بين الجنسين"، الصادر عن هيئة الأمم المتحدة

إلياس بوزغاية

 

 

 

 

عقد أعضاء مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام، برئاسة الدكتورة أسماء المرابط لقاءً علميا لمدارسة أحد التقارير الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة بعنوان "الدين والمساواة بين الجنسين". التقرير الذي جاء ثمرة للقاء الذي جمع بين عدد من ممثلي الأديان في العالم والمهتمين بقضايا الدفاع عن حقوق المرأة، أفرز مجموعة من النتائج والتوصيات التي ترسم ملامح العلاقة بين المعتقدات الدينية ومدى مساهمتها في تعزيز المساواة بين الجنسين في إطار حوار ترعاه الأمم المتحدة.

يأتي سياق التقرير في إطار تعاون بين هيئة الأمم المتحدة للمرأة والجمعية العالمية للنساء المسيحيات الشابات في الجلسة 60 للجنة الأمم المتحدة حول أوضاع المرأة، ويهدف إلى تسليط الضوء على دور المنظمات الدينية في تحقيق المساواة بين الجنسين من خلال تنفيذ أجندة أعمال 2030 للتنمية. وقد تركزت محاور اللقاء حول 3 أهداف أساسية:

  1. تحديد أهم المداخل المستوحاة من النصوص الدينية لدعم تحقيق المساواة بين الجنسين
  2. بناء استراتيجيات تحالفات حول الدين والمساواة بين الجنسين
  3. بحث وسائل تسريع عملية تنفيذ أجندة 2030 للأمم المتحدة

وقد عمل الحاضرون والمتدخلون في اللقاء على توصيف الحالة حول الدين والمساواة بين الجنسين لكي يخلصوا إلى عدة نقط أهمها أن:

  • لجنة المرأة بالأمم المتحدة تقوم بإشراك عدد من الفاعلين في المجتمع من الشباب والرجال والأطفال والأكاديميين والإعلاميين بالإضافة إلى المنظمات والفاعلين النسائيين الدينيين.
  • هذا الإشراك يأتي اعتبارا للواقع الذي يشير إلى أنه من ضمن 10 أشخاص في العالم هناك 8 يعرفون أنفسهم على أنهم ينتمون لإحدى الديانات، مما يدل على أن الدين له تأثير محوري ويلعب دورا أساسيا في توجيه هوية واعتقاد وسلوك الرجال والنساء.
  • وأيضا على اعتبار أن المنظمات النسائية الدينية متجذرة في المجتمع من خلال توفير خدمات اجتماعية متنوعة
  • ورغم سعيهم لتعزيز وتحسين الأوضاع في المجتمع من منطلق ديني، فإنهم ليسو دائما ملتزمين تماما بالعمل على تغيير البنية التي تنتج عدم الإنصاف والعدالة للجميع.
  • تقوم بعض المنظمات النسائية الدينية بإنتاج خطاب جديد حول دور الدين في تحقيق مساواة كاملة بين الجنسين، ولجنة المرأة بالأمم المتحدة تعمل استراتيجيا على تسهيل وتقوية دور الفاعلين الدينيين من أجل الانخراط في تحقيق أجندة 2030 بخصوص النوع الاجتماعي
  • العلاقة بين الدين والمساواة بين الجنسين مسألة معقدة، حيث يلعب الدين دورا حيويا في تشكيل الثقافية والاجتماعية الاقتصادية، والأعراف السياسية في أجزاء كثيرة من العالم.
  • أوضاع المساواة بين الجنسين رهينة بالطريقة التي يتم تأويل النص الديني بها، والواقع أن هذه التأويلات على مر التاريخ كانت ذكورية ومحتكرة من طرف الرجال فقط
  • دور المنظمات النسائية الدينية بخصوص أجندة المساواة لديها يبقى متعدد الأوجه حيث يتراوح بين التجذر في التقاليد الذكورية وبين القيام بعمل قوي باتجاه التغيير الاجتماعي
  • عملت هذه المنظمات على رفع الوعي حول العنف ضد النساء ومحاربته، وقدمت مساعدات وخدمات مثل الاستشارات والمساعدة القانونية وتوفير مأوى للمحتاجين، كما عملت على القضاء على الانتهاكات مثل ختان الإناث وزواج الأطفال ودعمت وسائل تعزيز الصحة والأمن للنساء والفتيات، وبذلك حصلت على قاعدة شعبية كبيرة ورصيد من الثقة خول لها التأثير على كثير من مواقف وسلوكيات الناس.

وبالمقابل، يلاحظ أن هناك مجموعة من التحديات والإشكاليات التي تواجه المنظمات النسائية الدينية من أجل تعزيز المساواة بين الجنسين، منها:

  1. الفشل في مواجهة البنية الهيكلية لعدم المساواة بين الجنسين على نحو كاف:

لأنها تعمل في الغالب ضمن العقلية الثقافية والقانونية السائدة. رغم أنها تجاوزت التركيز على الأعمال الاجتماعية إلا أن قدرتها على التأثير في المستوى السياسي لازال ضعيفا.

2. عدم وجود نساء في مناصب السلطة الدينية:

حيث بقيت السلطة والمعرفة الدينية حكرا على الرجال بسبب قلة خبرة النساء أو لعدم الثقة في أنفسهن لخوض هذا المجال ولعدم توفير أجواء مناسبة لذلك

3. التحالف بين القوى الدينية المحافظة والنخب السياسية:

تكاثر بعض الحركات السياسية الدينية المتطرفة أدى إلى تقوية البنية الذكورية في المجتمع عن طريق استعمال الدين لتبرير بعض الممارسات التمييزية ضد المرأة 

4. إحجام المنظمات العلمانية للتنمية عن التعاون مع المنظمات النسائية الدينية:

رغم الجهود التي تقوم بها المنظمات النسائية الدينية، مازال هناك توجس وعدم ثقة من طرف المنظمات العلمانية ناتج عن بعض الاختلافات الجوهرية في أجنداتهما مثل الحريات الجنسية والحقوق الإنجابية بالإضافة إلى ضعف التوثيق والدعاية والتنسيق بين التيارين

5. عدم إدماج حقوق الإنسان مع عمليات تحقيق التنمية:

القيام بإدماج خطابات حقوق الإنسان مع الواقع لا يتم بشكل كاف، ولذلك فإن تاثير المنظمات النسائية الدينية وكذلك العلمانية يبقى ضعيفا

وتتمة لأعمال اللقاء فقد ناقش المشاركون بعض معالم رسم الطريق نحو الأمام في سبيل تعزيز دور العامل الديني في ترسيخ قيم المساواة بين الجنسين في المجتمعات، ومن ضمنها

1-      دور المرأة في إنتاج المعرفة الدينية

من خلال العمل من داخل الإطار الديني، فإن النساء يسعين إلى تحقيق السلم ومحاربة الأصولية في تأويل النصوص الدينية، وكذلك إلى القضاء على بعض الممارسات التمييزية التي تتم باسم الدين. هذا العمل يربط بين البعد الديني والبعد الحقوقي في المواثيق الدولية، كما هو الحال بالنسبة لحركة مساواة التي تأكد على ضرورة وإمكانية إنتاج فقه إسلامي جديد.

2-      بناء التحالفات

يقوم معظم الفاعلين في المجال النسائي بعقد شراكات جديدة على كل المستويات وتبذل جهود من أجل تجاوز سوء الفهم والتوجس المتبادل. وقد أنشأت مجموعة خاصة بالنسائية والدين تابعة للجنة المرأة بالأمم المتحدة وهي تبذل مساعي من أجل رسم مسارات جديدة للتعاون والشراكة والربط بين الفاعلين عالميا. كما هو الحال بالنسبة للشراكة التي تمت في برلين سنة 2016 حول الدين والتنمية المستدامة التي تسعى إلى مأسسة التعاون بين مختلف الفاعلين وربط الجسور بين الأجندة الدولية وصناع القرار والواقع المعاش مع إدماج فئة الرجال ليس فقط كجزء من الحل لكن أيضا كمستفيدين منه.

3-      استراتيجيات المدافعة

هناك اعتراف واسع بأن المجتمع المدني قادر على قيادة التغيير المنشود في السياسة والممارسة حول المساواة بين الجنسين. المنظمات النسائية الدينية تحتاج إلى مراجعة بنية السلطة والتصدي لعوائق المساواة بما فيها الفقر والعمل غير مدفوع الأجر والتفاوت في الأجور، والتهميش الاجتماعي. هذا ما تقوم به على سبيل المثال مجموعة العمل حول الدين والتنمية المستدامة لضمان تحقيق أهداف أجندة 2030 

بناء على هذه الأفكار فقد كان بالإمكان تطوير مجموعة من التوصيات التي شملت:

توصية 1: تحديد وتوثيق ونشر أعمال المنظمات النسائية الدينية والفاعلين الذين يتحدون المعايير والأيديولوجيات الذكورية، وينتجون تفسيرات جديدة للمعتقدات الدينية التي تدعم المساواة بين النساء والرجال.

توصية 2: دعم إنتاج المعرفة والتلاقح بين المنظمات النسائية الدينية ومنظمات حقوق المرأة العلمانية للتبادل تجاربهم في مواجهة بنية السلطة الذكورية من داخل الأطر الثقافية والقانونية.

توصية 3: دعم تكامل الجهود على الجوانب المهمة من أجندة  المساواة بين الجنسين وتسهيل فرص التعاون بين العلمانيين والمتدينين ومختلف الفاعلين عالميا وإقليميا ووطنيا

توصية 4: تعزيز قدرة المنظمات النسائية الدينية الفاعلة لترجمة الرؤى والخبرات إلى توصيات بشأن السياسات التي تستجيب للسياقات السياسية والواقع المعيش. والاستعانة بمساهمات الشباب المدافعين عن المساواة بين الجنسين للاستفادة من قدرتهم على بناء التحالفات بين الأجيال والقطاعات المختلفة، فضلا عن الاستخدام المبتكر والفعال لوسائل التواصل الاجتماعي.

توصية 5: بناء قدرات المنظمات النسائية الدينية للتأثير على اساليب العمل في اللأمم المتحدة مثل مجلس حقوق الإنسان، واتفاقية سيداو، والمنتدى السياسي رفيع المستوى، وكذلك المجلة الدورية العالمية. أيضا، دعم المنظمات النسائية الدينية لبناء علاقات متقدمة وأقوى أقوى مع الدول الأعضاء ولتتعاون مع مكونات المجتمع المدني في مجال الأمم المتحدة وخارجها.

  توصية 6: عقد اجتماع جانبي على هامش الدورات السنوية للجنة الأمم المتحدة المعنية لوضع المرأة من أجل تبادل الأفكار حول الجهود والإنجازات المنجزة من طرف المنظمات النسائية الدينية في تنفيذ سياسات مستجيبة لمقاربة النوع الاجتماعي المرتبطة بأجندة 2030.

  توصية 7: إنشاء منبر للقيادة الدينية النسائية تمثل مختلف التقاليد الدينية والمناطق الجغرافية، والتي تؤكد التزام الفاعلين بتعزيز المساواة بين الجنسين. وكذلك دعم جهود القيادات  الدينية النسائية والناشطين للمشاركة بفعالية في وسائل الإعلام التقليدية وعلى شبكة الإنترنت.

في سبيل تعزيز هذه التوصيات بأفكار عملية، فقد تم الاستماع إلى عدد من الشهادات والتجارب في إطار الجمع بين البعد الديني والنضال النسائي لدى مجموعة من المنظمات مثل مجموعة العمل: Faith and Feminism Working Group to the United Nations و حركة Musawah العالمية و مبادرة الشراكة العالمية International Partnership for Religion and Development  (PaRD) وقد اشتمل التقرير على مجموعة من الأقوال لعدد من المشاركين مثل:

  •  "نود أن يكون هذا الحوار والمحادثاث مستمرة. ونود أن تكون معتمدة وخالية من الوصم والتمييز أو أي شيء يحول دون تحقيق حقوق نسائنا ومشاركة الشباب". Crystal Lee, Founder and Executive Director,  united Natives Inc
  • "نحن نتحرك باتجاه أجندة 2030 من أجل بناء ثقافة جديدة للمساواة بين الجنسين لمواجهة ثقافة النظام الذكوري. والأديان، التي يستمد منها الكثير من الناس إلهامهم، يجب أن تكون جزءا أساسيا من بناء تلك الثقافة الجديدة ".Lopa Banerjee, Chief, Civil Society Section, UN Women
  • "نحن بحاجة لنشر الديمقراطية في عملية إنتاج المعرفة الدينية اليوم. ليس كافيا بالنسبة للمشرعين أن يقولوا "هذا القانون إلهي، وبالتالي إغلاق المناقشة ". Marwa Sharafeldin, Musawah Board Member, Co-Founder – Network of Women’s Rights Organizations in Egypt

في ضوء القراءة التي قام بها أعضاء مركز الدارسات النسائية في الإسلام لهذا التقرير فقد تمت مناقشته على ضوء ما يهم واقع المرأة في الدين الإسلامي وتم التأكيد على بعض النقط الأساسية:

1-      الدين الإسلامي من أكثر الأديان تعرضا للتشويه والوصم بأنه يضطهد المرأة وتتداخل في مدى صحة هذه الاتهامات عوامل دينية وسياسية وثقافية

2-      المنظمات والهيئات الإسلامية التي تتناول موضوع المرأة تتنوع في مقارباتها ودرجة جرأتها في تناول قضية المساواة بين الجنسين في الإسلام

3-      ربط علاقات وشراكات بين الهيئات النسائية الإسلامية ومؤسسات الأمم المتحدة يتسم بكثير من الحذر والتوجس وأحيانا القطيعة

4-      تشترك كثير من الهيئات النسائية الإسلامية في أهدافها مع كثير من أهداف وأجندات الأمم المتحدة الإنمائية لكن يظل التواصل والتنسيق بينهما ضعيفا

5-      تتساءل كثير من القوى الإسلامية عن مدى أهمية موضوع المساواة في أجندتها وعن التصور الملائم الذي ستتبناه مما يعكس نوعا من الضعف والغموض والتأرجح في رؤيتها وخطاباتها

6-      تتعدد أشكال النضال والطرق التي يمكن أن يساهم بها الدين في خدمة المساواة بين الجنسين: الخدمات الاجتماعية للنساء / التوعية بخطاب جديد / المرافعات القانونية وجلسات الصلح...

7-      هناك حاجة لبلورة رؤية موضوعية واستراتيجية للعمل في إطار المرجعية الإسلامية وثقافة حقوق الإنسان

8-      ترتهن بعض المؤسسات الدينية والإسلامية للقوالب الاجتماعية والسياسية السائدة بدعوى الخصوصية الثقافية مما يطرح إشكالية قدرتها على خلق تغيير حقيقي لصالح النساء في محيطها

9-      تظهر حاجة ملحة لدى جل المؤسسات الإسلامية النسائية لتحصيل مصداقية في خطابها الإسلامي ومشروعية دينية لتحقيق إشعاع وتغيير حقيقي، وهو ما يرتبط أيضا بمدى ولوجيتها لمراكز القرار الديني والتأثير في صنع القوانين

10-   غالبا ما تعمل المؤسسات الإسلامية النسائية باستقلال عن بعضها البعض رغم تقاطع أهدافها سواء على المستوى المحلي أو الوطني أو العالمي

11-   من أجل خلق إشعاع وتغلغل داخل المجتمع هناك حاجة لمعالجة القضايا الراهنة للمواطنين في إطار ربط الخطاب الديني النسائي بالتنمية المجتمعية

 

 

نشر بتاريخ: 14 / 07 / 2016



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 2

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 2

أثناء عرض القرآن لصورة النساء في شريعة الإسلام عرض شكلين لهذه الصورة: الصورة  السلبية والصورة الإيجابية، الصور السلبية التي تسيطر على مخيلة العرب، والتي جعلتهم يتعاملون مع النساء بمكاييل مختلفة حسب مصلحتهم منهن، ويمكننا استخلاص هذه الأوضاع المتردية التي عشنها في الجاهلية من خلال تلك النواهي والأوامر الواردة في القرآن بشأن قضايا النساء

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 1

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 1

عرفت  الآونة الأخيرة اهتماما متزايدا بالعنصر النسوي، سواء من طرف المرأة نفسها أو من طرف الرجل أيضا في شكل جمعيات سياسية أواجتماعية، بهدف إنصاف هذه الفئة وإعطائها المكانة اللائقة، خصوصا بعد إلغاء الدور الفعال للنساء في بناء المجتمع إبان عصر التراجع والجمود، وتهميشهم بسبب عوامل متعددة، كرَّسها الموروث الثقافي من عادات وتقاليد اجتماعية لتحط من قدر المرأة في المجتمع.

بعض مظاهر حقوق الإنسان في مدونة الأسرة المغربية

بعض مظاهر حقوق الإنسان في مدونة الأسرة المغربية

يعتبر موضوعُ المرأةِ من أهم المواضيع التي تحظى باهتمامٍ كبيرٍ ومتزايدٍ من طرف مختلفِ الدارسين والباحثين، ويرجع هذا الاهتمام للدور الذي تضطلع به المرأة في الأسرة وفي المجتمع على وجه العموم، ولا يمكن بالتالي فصلُ قضيتها (أعني المرأةَ) عن قضيةِ الأسرة، إن هذا الاهتمامَ وسَّعَ من نطاقِ وأبعادِ تناولِ قضيةِ المرأة، حيث إنها لم تعُدْ قضيةً وطنيةً محضةً، بل أضحَت قضيةً ذاتَ أبعـادٍ دوليةٍ، خاصةً بعد التزام المغرب باحترام منظومة حقوق الإنسان، كما هي متعارفٌ عليها عالمياً...