دراسات

مدارسة علمية حول اتفاقية سيداو. من أجل رؤية منصفة
مدارسة علمية حول اتفاقية سيداو. من أجل رؤية منصفة

إلياس بوزغاية

 

 

 

تفاعلا مع القضايا النسائية المطروحة على الساحة الإسلامية والمغربية خصوصا، انعقد يومه الثلاثاء 10 ماي 2016 لقاء بين الدكتورة أسماء المرابط والباحثين بالمركز من أجل مدارسة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، المعروفة اختصارا ب "سيداو" CEDAW، والتي أثارت ولا زالت تثير جدلا واسعا بخصوص ما يتلائم وما يتعارض فيها مع مقتضيات الشريعة الإسلامية والقوانين الوطنية بخصوص قضايا المرأة في الإسلام.

وقد قدمت الباحثة مونية الطراز عرضا موجزا عن الاتفاقية تضمن تعريفا بها وبالسياق العام الذي وردت فيه، وتطرّقت لجملة من الاتفاقيات والإعلانات والقرارات التي سبقتها وشكلت تمهيدا فعليا لها. وقد تمت الإشارة إلى مضامين الاتفاقية التي تتضمن تقديما و30 مادة تتناول مختلف جوانب حقوق المرأة التي تنص عليها الأمم المتحدة.[1] وفي معرض الحديث عن الاتفاقية، قامت الباحثة مونية الطراز بعرض توضيحات حول ما بدا لها من إيجابيات كامنة في الاتفاقية تشمل الدعوة إلى تعزيز مكانة المرأة وضمان حقوقها والقضاء على كل أشكال التمييز والتهميش والتحقير في حقها، والقضاء أيضا على استغلالها في الدعارة والبغاء، ونوّهت بما في الاتفاقية من دعوة إلى تمتيعها بكافة حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وحقها في التعليم دون اعتبار للفوارق بينها وبين الرجل.

وقامت الباحثة بالتنبيه إلى ما رأته سلبية في الاتفاقية، حيث أنها تركز على البعد المادي في الإنسان وهو ما يبدو معارضا للقيم الدينية والخصوصيات الحضارية للأمم والشعوب وبشكل خاص الشعوب الإسلامية. وبهذا الصدد تمت الإشارة إلى معنى ومفهوم "المساواة الكاملة" الذي قد يحيل على الطابع المادي والرياضي في العلاقة بين الجنسين، وبذلك يتم إغفال البعد الإنساني والتراحمي بين الناس. تجدر الإشارة إلى أن هذا الانتقاد شائع جدا في الأوساط الإسلامية المهاجمة لاتفاقية سيداو، رغم أن هذه الأخيرة تتضمن تفصيلا لما تعنيه "المساواة" و "التمييز" وهو ما يتم تجاهله قصدا أو لعدم التمكن من اللغة الإنجليزية، حيث أن مبدأ المساواة في سيداو[2] يحيل على السعي إلى مساواة تصحيحية لا تدعو إلى إجبار المرأة على أن تكون مثل الرجل تماما ولا تدعو إلى حرمانها من نفس الحقوق التي يتمتع بها، ولكن تدعو إلى توفير الظروف الملائمة لهما معا بطريقة تضمن تكافؤ الفرص بينهما وحسب خصوصية كل منهما.

خصوصية كل من الرجل والمرأة حسب الاتفاقية لا يعني إهدار حق كل منهما في حياة كريمة ومساوية لحياة الآخر، وهذا ما يتم التعبير عنه في مبدأ "عدم التمييز"[3] حيث أن الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة لا تبرر التمييز الحاصل ضدها مثل احتكار الرجل لحق نقل جنسيته لأطفاله أو التضييق على المرأة اجتماعيا وثقافيا لمنعها من ولوج مناصب عليا يحتكرها الرجل غالبا كالمناصب الاقتصادية والسياسية والدينية. وعليه، فإن اتفاقية سيداو تدعو إلى إعمال مبدأ "التمييز الإيجابي" الذي يهدف إلى إلغاء مظاهر التمييز والحرمان التاريخي الذي عانت منه المرأة، وذلك باستخدام آليات مثل "الكوتا" لتهييئ الظروف لها لتتمتع بنفس الامتيازات التي كانت محرومة منها سابقا. هذا ما يستدعي أيضا العمل على تصحيح الصور النمطية المنتشرة والتي تحط من قيمة المرأة وتصورها على أنها غير قادرة على منافسة الرجل. 

ولنا في رسول الله وفي عهد الصحابة والتابعين أمثلة تبرز أن المرأة قد تبوأت مناصب ريادية وتميزت فيها ولم يكن الإسلام يوما سببا في إقصائها. اللهم إلا من فهوم تقليدية وتأويلات ذكورية باسم الدين تعسفت عليه لجعل المرأة تبدو تابعة للرجل في علاقة تراتبية (بدعوى القوامة) ومحصورة في الأدوار المنزلية بطريقة ثابتة (بدعوى التكامل) وهو ما يجعل الحديث عن أهمية التفريق بين الدين والممارسات الثقافية أمرا ملحا في ثقافتنا الجمعية.

تحدثت الباحثة أيضا عن العموميات التي تطبع صيغة الاتفاقية، مما يجعلها قابلة لقراءات متعددة، وذكرت مثالا على ذلك ما جاء في المادة 3 التي تنص على ضمان ممارسة حقوق الإنسان والتمتع بالحريات الأساسيات على أساس المساواة مع الرجل دون تحديد لهذه الحريات، والتي قد تشمل الحريات الجنسية أيضا. وفي هذا الإطار تبرز أهمية التساؤل عن مدى مطابقة اتفاقية سيداو لمختلف الحساسيات الثقافية والخصوصيات المحلية لمختلف الشعوب، وهو ما يستدعي قراءة متمهلة لمحتويات الاتفاقية في ضوء التشريعات الدينية والقوانين الوطنية من أجل ملاءمتها أو رفضها، وذلك من خلال آليات مكفولة من طرف الاتفاقية نفسها وهي التوقيع والانضمام والمصادقة والتحفظ، وهذه مراحل تعبر عن مدى موافقة الدول مع البنود التي جاءت بها الاتفاقية. هذا ما يظهر جليا من خلال ملاحظة التفاوت الحاصل بين الدول الإسلامية في تقديرها لحجم تعارض الشريعة الإسلامية مع المواثيق الدولية (هناك دول رفعت تحفظاتها بالكامل وهناك دول لم تصادق عليها بتاتا)، مما يطرح التساؤل حول مناهج وآليات استنباط الأحكام الإسلامية ومدى تطويعها للتوافق مع القوانين الوضعية والمواثيق الدولية، حسب تعدد الفهوم والتأويلات والتنزيلات للنص الديني في سياقات إسلامية مختلفة.

في معرض المناقشة، تم التوقف عند المادة 16 التي تعتبر أكثر البنود إثارة للجدل والمعارضة، حيث أن جل الدول الإسلامية قد تحفظت عليها، فالمادة تعطي نفس الحقوق والمسؤوليات للمرأة والرجل أثناء قيام الزواج وعند فسخه، وهذا ما يبدو معارضا للكثير من أحكام الشريعة المتعلقة بتنظيم علاقة الرجل والمرأة في الأسرة خاصة مفهوم "القوامة". والحقيقة أن إعادة قراءة النص الديني ومراجعة هذا المفهوم في ضوء القيم السمحة للإسلام لن يخلص إلى أن المرأة تسعى إلى إسقاط "القوامة" من الرجل وخلق صراع معه، بل إلى تصحيح الفهم المغلوط للقوامة على أنها تسلط وغلبة، وبذلك فإن المتأمل سيجد أن الشريعة الإسلامية تمنح مجالا أوسع لحماية حقوق المرأة، خصوصا ما يتعلق بأحكام النفقة والمتعة والمهر على أساس التعاون والتشارك بين الزوجين.  

وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار أن مساحة التوافق بين الاسلام ومدونة الأسرة المغربية والمواثيق الدولية كبيرة، وأن اتفاقية سيداو أصبحت أمرا متجاوزا في ظل الإصلاحات التي جاءت بها المدونة والدستور الجديد، حيث أن الزوجة تتمتع بحقوق أكبر من تلك المنصوص عليها في المادة 16 من اتفاقية سيداو (المساواة في الحقوق والواجبات)، فالمرأة المغربية تتمتع بالمهر وبتبعات قوامة الرجل المادية في إطار من المسؤولية المشتركة التي تنص عليها المدونة وفي إطار القيم السمحة للإسلام التي تدعو للمعاشرة بالمعروف وبالمودة والرحمة. وبذلك يكون المغرب قد أبقى فقط على التحفظات التي تشير إلى المساواة الرياضية المتعارضة مع المساواة التي يقصدها المشرع المغربي "والتي تكفل لكل من الزوجين حقوقا ومسؤوليات ضمن إطار من التوازن والتكامل بغية الحفاظ على رباط الزوجية المقدس."[4] جدير بالذكر أن مسألة تأويل مدى مطابقة الشريعة الإسلامية للاتفاقية تطبعها أحيانا بعض الحساسيات الإيديولوجية.

هذا ما يظهر جليا في أحد نماذج الاستنكار والاحتجاج حول اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة "سيداو"، والذي سمي "بميثاق الأسرة في الإسلام" الذي صدر عن مؤتمر نظمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين انعقد مؤخرا بتركيا، المؤتمر الذي لم يقدّم في نظر الباحثة بدائل اقتراحية عن ما جاء في الاتفاقية، كما أنه لم يحمل جديدا إذ سُبق بهيئات أخرى قدّمت رؤى أكثر عمقا ونضجا حول الأسرة انطلاقا من مرجعية إسلامية. كما أنه ركز على المختلف الثقافي وأهمل المشترك الإنساني حول حقوق المرأة.

ختاما، وبالرجوع إلى النموذج المغربي، فإن المكتسبات التي حققها من خلال رفعه للتحفظات حول الاتفاقية والتنصيص على المساواة في الدستور بطريقة واضحة لا تقبل أي لبس، وسعيه لمأسسة هذه المساواة من خلال إنشاء هيآت مثل المجلس الوطني لحقوق الانسان وهيئة المناصفة ومكافحة كل اشكال التمييز ضد المرأة وكذلك المجلس الاستشاري للأسرة والطفولة، سيطرح أمامه مستقبلا جملة من الرهانات والتحديات التي ينبغي أن تجد لها حلولا في إطار المرجعية الإسلامية عبر مزيد من الفهم لمقاصد الشريعة بالتوازي مع فهم أكبر للواقع الذي يعرف تحولات في قيمه وتداخلا بين ثقافاته.

 


[1]  يشار إلى أن هذه الاتفاقية متاحة للتحميل من خلال الرابط التالي  http://www.un.org/womenwatch/daw/cedaw/text/0360793A.pdf

[2]  كما هو مبين في هذا الرابط https://www.youtube.com/watch?v=OCtnD-6R2so

[3]  في هذا الرابط https://www.youtube.com/watch?v=c1SpUadCdug

[4]  نص التحفظات والإعلانات المقدمة من المغرب فيما يخص اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة . http://www1.umn.edu/humanrts/arabic/Morocco-CedawR.html

 

 

نشر بتاريخ: 06 / 07 / 2016

وقد قدمت الباحثة مونية الطراز عرضا موجزا عن الاتفاقية تضمن تعريفا بها وبالسياق العام الذي وردت فيه، وتطرّقت لجملة من الاتفاقيات والإعلانات والقرارات التي سبقتها وشكلت تمهيدا فعليا لها. وقد تمت الإشارة إلى مضامين الاتفاقية التي تتضمن تقديما و30 مادة تتناول مختلف جوانب حقوق المرأة التي تنص عليها الأمم المتحدة. وفي معرض الحديث عن الاتفاقية، قامت الباحثة مونية الطراز بعرض توضيحات حول ما بدا لها من إيجابيات كامنة في الاتفاقية تشمل الدعوة إلى تعزيز مكانة المرأة وضمان حقوقها والقضاء على كل أشكال التمييز والتهميش والتحقير في حقها، والقضاء أيضا على استغلالها في الدعارة والبغاء، ونوّهت بما في الاتفاقية من دعوة إلى تمتيعها بكافة حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وحقها في التعليم دون اعتبار للفوارق بينها وبين الرجل.



   يشار إلى أن هذه الاتفاقية متاحة للتحميل من خلال الرابط التالي  http://www.un.org/womenwatch/daw/cedaw/text/0360793A.pdf



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 2

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 2

أثناء عرض القرآن لصورة النساء في شريعة الإسلام عرض شكلين لهذه الصورة: الصورة  السلبية والصورة الإيجابية، الصور السلبية التي تسيطر على مخيلة العرب، والتي جعلتهم يتعاملون مع النساء بمكاييل مختلفة حسب مصلحتهم منهن، ويمكننا استخلاص هذه الأوضاع المتردية التي عشنها في الجاهلية من خلال تلك النواهي والأوامر الواردة في القرآن بشأن قضايا النساء

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 1

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 1

عرفت  الآونة الأخيرة اهتماما متزايدا بالعنصر النسوي، سواء من طرف المرأة نفسها أو من طرف الرجل أيضا في شكل جمعيات سياسية أواجتماعية، بهدف إنصاف هذه الفئة وإعطائها المكانة اللائقة، خصوصا بعد إلغاء الدور الفعال للنساء في بناء المجتمع إبان عصر التراجع والجمود، وتهميشهم بسبب عوامل متعددة، كرَّسها الموروث الثقافي من عادات وتقاليد اجتماعية لتحط من قدر المرأة في المجتمع.

بعض مظاهر حقوق الإنسان في مدونة الأسرة المغربية

بعض مظاهر حقوق الإنسان في مدونة الأسرة المغربية

يعتبر موضوعُ المرأةِ من أهم المواضيع التي تحظى باهتمامٍ كبيرٍ ومتزايدٍ من طرف مختلفِ الدارسين والباحثين، ويرجع هذا الاهتمام للدور الذي تضطلع به المرأة في الأسرة وفي المجتمع على وجه العموم، ولا يمكن بالتالي فصلُ قضيتها (أعني المرأةَ) عن قضيةِ الأسرة، إن هذا الاهتمامَ وسَّعَ من نطاقِ وأبعادِ تناولِ قضيةِ المرأة، حيث إنها لم تعُدْ قضيةً وطنيةً محضةً، بل أضحَت قضيةً ذاتَ أبعـادٍ دوليةٍ، خاصةً بعد التزام المغرب باحترام منظومة حقوق الإنسان، كما هي متعارفٌ عليها عالمياً...