دراسات

الحركة النسائية الإسلامية... تيار نسائي إسلامي
الحركة النسائية الإسلامية... تيار نسائي إسلامي

بشرى لغزالي

 

 

 

يهتم العديد من الباحثين العرب والأجانب بشكل متزايد بالحركة النسائية الإسلامية التي ظهرت في الساحة الفكرية، باعتبارها حركة تسعى إلى مقاربة القضايا النسائية من منظور مختلف عن باقي الحركات النسائية. وتتوسط الحركة النسائية الإسلامية التيارات السائدة التي اتخذت إما توجها علمانيا يرفض اتخاذ الدين مرجعا له، أو توجها تقليديا منغلقا لا يقبل التفكير في مرجعيته الإسلامية.

في الوقت الذي تدعو الحركات النسائية العلمانية إلى فصل الدين عن مطالبها، تروم في المقابل الحركة النسائية الإسلامية فصل التقاليد الثقافية التمييزية عن الدين. وفي هذا السياق، تنبني مجموعة من المفاهيم السائدة في المجتمع على أفكار ثقافية وأعراف اتخذت رداءا دينيا مع مرور الوقت وانتقلت بين الأجيال إلى درجة أصبح معها من الصعب التخلي عنها إيمانا بأنها أفكار دينية صرفة. وتتخذ هذه الحركة القرآن والسنة مرجعا لها من أجل التأكيد على مطالبها المستقاة منهما مثل المطالبة بالمساواة الإنسانية بين الرجال والنساء التي تقر بها عدة آيات قرآنية[1].

وقد انتشر مفهوم الحركة النسائية الإسلامية عبر العالم في التسعينيات، إذ تمكنت من خلالها بعض المسلمات في الغرب من المطالبة بحقوقهن باعتبارهن مسلمات بعيدا عن الحركة النسائية العلمانية. وبالموازاة مع انتشار هذه الحركة الإسلامية، ظهرت عدة كتابات تتناول موضوع الحركة النسائية والإسلام مُنع بعضها من النشر. وتُعد الحركة وسيلة لاحتجاج بعض المسلمات على مجموعة من الممارسات التقليدية الثقافية باسم الدين وعلى طريقة تعامل دولهن مع النساء.[2]

وتسعى الناشطات في الحركة النسائية الإسلامية إلى توضيح أن الإسلام دين يقر بالمساواة بين الجنسين وأن المجتمع الذكوري خلق التمييز لإبقاء السيطرة على النساء. ويتمثل الهدف الأبرز للحركة في إفهام الناس المعنى الحقيقي للإسلام الذي يدعو إلى احترام النساء. ولذلك سعت إلى التمييز بين النص القرآني وتطبيق مقتضياته على أرض الواقع، وإلى مراجعة الفقه وممارسة الاجتهاد.

وقد تحدث العديد من الباحثين عن معنى الحركة النسائية الإسلامية مثل مارغوت بدران التي اعتبرتها خطابا وممارسة مستمدة من القرآن تبحث عن الحقوق والعدل في إطار المساواة الوجودية بين الجنسين. وترى الحركة فكرة المساواة جزءا لا يتجزأ من المفهوم القرآني للإنسان وتدعو إلى تطبيقها في الدولة ومؤسساتها والحياة اليومية. وتتجسد هذه المساواة في عدم التمييز بين أفراد المجتمع من خلال جنسهم وإنما جعل الأخلاق والعمل الجاد والتقوى مقياسا لهم. وتطالب الحركة النسائية الإسلامية بتحقيق المساواة بين بني البشر من رجال ونساء في إطار إسلامي في الفضاءين العام والخاص. ويُعد العدل والمساواة الحقوقية مطلبين جوهريين تدعو إليهما الحركة على ضوء آيات قرآنية نزلت زمن الوحي لتؤكد على ضرورة تحقيقهما لإنصاف المستضعفين في الأرض، بمن فيهم النساء.

بالإضافة إلى ذلك، حاولت باحثات في هذه الحركة إبراز دور المسلمات الفعال في عالم العلم والمعرفة من خلال النبش في التاريخ والتراث الإسلاميين وتسليط الضوء على محدثات تتلمذ شيوخ مرموقون على أيديهن. ويُعد كتاب أسماء السيد الذي يحمل عنوان "النساء ونقل المعرفة الدينية في الإسلام" أحد هذه الإصدارات التي كشفت من خلاله عن دور المحدثات في التاريخ الإسلامي عبر تحليل رواية الحديث. كما يكشف كتاب "عائشة زوجة الرسول أو الإسلام بصيغة المؤنث" للدكتورة أسماء المرابط عن دور عائشة (ض) في الفقه الإسلامي وكونها المرجع الأول لفهم الدين. وتأتي مثل هذه البحوث لتكون منارة للنساء ودليلا على إمكانية وشرعية اضطلاعهن بأدوار ريادية في المجال الديني.

وبالتالي جاءت الحركة النسائية الإسلامية لتقترح حلول بديلة للمشكلات النسائية المطروحة انطلاقا من المرجعية الدينية من خلال البحث العلمي والإصدارات الأكاديمية الرامية طرح الإشكاليات التي ترصدها في الواقع. وخير مثال نختم به هذا المقال على مدى تأثير هذا العمل على مستوى التطبيق هو إصلاح مدونة الأسرة المغربية عام 2004 بالرجوع إلى المصادر الشرعية.

 


[1] سورة النساء: الآية35-124؛ سورة الأحزاب: الآية 35؛ سورة النور: الآيات 2-3-30-31؛ سورة التوبة: الآية 195.

[2] http://www.feminismeislamic.org/

 

 

نشر بناريخ: 07 / 07 / 2015



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 2

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 2

أثناء عرض القرآن لصورة النساء في شريعة الإسلام عرض شكلين لهذه الصورة: الصورة  السلبية والصورة الإيجابية، الصور السلبية التي تسيطر على مخيلة العرب، والتي جعلتهم يتعاملون مع النساء بمكاييل مختلفة حسب مصلحتهم منهن، ويمكننا استخلاص هذه الأوضاع المتردية التي عشنها في الجاهلية من خلال تلك النواهي والأوامر الواردة في القرآن بشأن قضايا النساء

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 1

نظرة القرآن الشمولية للنساء ج. 1

عرفت  الآونة الأخيرة اهتماما متزايدا بالعنصر النسوي، سواء من طرف المرأة نفسها أو من طرف الرجل أيضا في شكل جمعيات سياسية أواجتماعية، بهدف إنصاف هذه الفئة وإعطائها المكانة اللائقة، خصوصا بعد إلغاء الدور الفعال للنساء في بناء المجتمع إبان عصر التراجع والجمود، وتهميشهم بسبب عوامل متعددة، كرَّسها الموروث الثقافي من عادات وتقاليد اجتماعية لتحط من قدر المرأة في المجتمع.

بعض مظاهر حقوق الإنسان في مدونة الأسرة المغربية

بعض مظاهر حقوق الإنسان في مدونة الأسرة المغربية

يعتبر موضوعُ المرأةِ من أهم المواضيع التي تحظى باهتمامٍ كبيرٍ ومتزايدٍ من طرف مختلفِ الدارسين والباحثين، ويرجع هذا الاهتمام للدور الذي تضطلع به المرأة في الأسرة وفي المجتمع على وجه العموم، ولا يمكن بالتالي فصلُ قضيتها (أعني المرأةَ) عن قضيةِ الأسرة، إن هذا الاهتمامَ وسَّعَ من نطاقِ وأبعادِ تناولِ قضيةِ المرأة، حيث إنها لم تعُدْ قضيةً وطنيةً محضةً، بل أضحَت قضيةً ذاتَ أبعـادٍ دوليةٍ، خاصةً بعد التزام المغرب باحترام منظومة حقوق الإنسان، كما هي متعارفٌ عليها عالمياً...