نساء فاعلات

ليلى أحمد
ليلى أحمد

 

سمرى دنكوسكي[1] 

ترجمة بشرى لغزالي

 


نُقدم هذا الشهر إحدى النساء اللواتي انكببن في مسارهن العلمي على القضايا النسائية والإسلام وسعين إلى إعادة النظر في مجموعة من الأفكار السائدة بشأن هذه القضايا. يتعلق الأمر بالكاتبة ليلى أحمد التي وُلدت في عام 1940 بالقاهرة حيث تأثرت منذ صغرها بالقيم المصرية الإسلامية التقليدية وكذا بالتوجه السياسي للطبقة الأرستقراطية المصرية في ذلك الوقت. وصفت نشأتها باعتبارها تجربة متعددة الثقافات[2]، إذ حاولت أن تصالح بين هويتها المصرية المسلمة والقيم الغربية خصوصا خلال فترة دراستها في جامعة كامبردج. حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة كامبردج قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة للتدريس. وقد شغلت أول منصب لها في سلك التدريس في أمريكا سنة 1981 كأستاذة للدراسات النسائية ودراسات الشرق الأدنى في جامعة Massachusetts Amherst. وفي عام 1999، عُينت أول أستاذة للدراسات النسائية والدينية في مدرسة اللاهوت التابعة لجامعة هارفارد التي تعمل بها حاليا.

بعد أن عاشت التمييز ومشاعر معاداة المسلمين في سنوات دراستها على وجه الخصوص، سعت إلى تصحيح الأفكار الخاطئة المنتشرة عن الإسلام والمسلمين عبر كتاباتها. ويرتبط اسم هذه الكاتبة بشكل أكبر بأحد إصداراتها الذي يتناول موضوع حجاب المسلمات في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ حصلت سنة 2013 من خلاله على جائزة الأديان التي تمنحها جامعة Louisville Grawemeyer (the 2013 University of Louisville Grawemeyer Award).

ويُعد كتاب ليلى أحمد عن حجاب المسلمات الصادر سنة 2011 بعنوان "الثورة الهادئة: عودة الحجاب من الشرق الأوسط إلى أمريكا" (The  Veil’s Resurgence from the Middle East to America)  أبرز أعمالها، إذ تشرح فيه سبب ارتداء عدد متزايد من المسلمات الحجاب في أمريكا. كما أنجزت ليلى مجموعة من الحوارات مع ناشطات نسائيات مسلمات شابات ومتقدمات في السن، عربيات ومسلمات أمريكيات، لتستخلص من خلالها بأن ارتداء الحجاب يمكن أن يرمز لدى بعض المسلمات إلى الجهود المبذولة للمطالبة بالعدل والتغيير الاجتماعي. يمكن أن ينظر البعض إلى غطاء الرأس كرمز لرفض المساواة بين الجنسين، لكن ليلى أحمد أقرت بأن ارتداء الحجاب يمكن أن يحمل معاني مختلفة حسب السياق ومعاني متعددة وردت في التراث الإسلامي. وتضيف بأن الحجاب أصبح يتخذ معاني جديدة، ولاسيما بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر. وتشتغل ليلى في موضوع المسلمات والإسلام والنضال النسائي، وتُعبر من خلال هذه الأعمال عن رغبتها في الكشف عن الإسلام الخفي، الإسلام بصيغة المؤنث، كجزء من عملها الذي يُعنى بالنساء في ديانات العالم. ووصفت الإسلام كما تعلمته في كنف أسرتها بكونه يتمثل بالنسبة للنساء في "أن يكون المرء في تناغم مع الحياة وعلى وعي بها، وليس في تلك الطقوس الشعائرية التي يقرأ المرء عنها أو ذلك الإسلام الرسمي. فالأمر يتعلق بالمعنى الذي يضفيه على حياة الفرد ومدى الوعي بالآخرين وبالنجوم وإيقاعات الوجود".[3]

أما في كتابها المعنون "النساء والنوع في الإسلام: الجذور التاريخية للنقاش المعاصر" (1992)، تقر أحمد بأن التفاسير الذكورية للإسلام –وليس الإسلام- هي سبب اللامساواة بين الجنسين، كما تعرض النساء للقمع في البلدان الإسلامية. وأوردت مجموعة من الأفكار الخاطئة عن الإسلام والنساء التي سادت في المجتمعات الغربية. وأشارت إلى أن الإسلام ليس ذلك "الآخر الغريب" عن الثقافة الغربية والمسيحية[4]، لكن هذه الفكرة ظهرت في فترة الحملات الصليبية. بالإضافة إلى ذلك، أوضحت كيف أن تطور السلطة السياسية المرافق لامتداد المسيحية والإسلام أدى إلى قمع النساء. وتقدم على ذلك مثال زوجات النبي محمد (ص) اللواتي حافظن على مكانة مهمة في المعرفة الدينية بعد وفاة النبي (ص)، لكن هذه المكانة النسائية فُقدت عندما توسعت الإمبراطورية الإسلامية عبر الفتوحات التي شملت دول الجوار وتعرضت خلالها النساء للسبي ليفقدن بذلك حقوقهن. وعند الحديث عن هوية النساء ودورهن، فإن اللغة تطورت "وتشابكت العلاقة بين الكلمات التي تحيل على المرأة والخليلة والأمة."[5]

بالإضافة إلى ذلك، ترى ليلى أحمد أن اللباس عندما ظهر كنقاط خلاف ورموز للنضال النسائي في المجتمعات الغربية، كانت الناشطات في الحركة النسائية الغربية المسؤولات عن إعطائه قيمة واعتباره موضع صراع، بدل إدراجه في إطار المساعي الاستعمارية التي تتحجج بحماية المسلمات من سوء معاملة الرجال المسلمين، كما هو الحال للأسف بالنسبة لحجاب النساء المسلمات.

وتناقش ليلى في كتاباتها التغيرات التي طالت شعبية ارتداء المسلمات الحجاب باعتباره مرتبطا ارتباطا وثيقا بالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تطورت بالنسبة للمسلمات على مر السنوات. وفي إطار علاقة الغرب بالإسلام، يُنظر إلى الحجاب في نظر الكاتبة على مستوى مدى تحضر الأوروبيات وعدم تحضر باقي نساء العالم. وبهذه الطريقة، استعمل العالم الغربي الحجاب كمقياس سياسي للحداثة دون أن يهدف بالضرورة إلى جعل حياة النساء أفضل، وتم التلاعب في نظرها بهذه الفكرة سياسيا واستُعملت كطريقة للحط من قدر الإسلام باعتباره دينا يقمع النساء. وتُقر ليلى بأن النقاش الدائر حاليا في المجتمع عن الحجاب يُفيد ضمنيا "بأننا الحضارة الفضلى؛ والإسلام حضارة دنيا تستحق الاجتثاث"! وهذا ما يتلخص في رمزية الحجاب"[6].

تغير رأي ليلى في موضوع الحجاب بعد أن تعمقت في بحثها، فغطاء الرأس "ليس تقليدا إسلاميا"، وإنما يحمل قيما دينية وسياسية مهمة بالنسبة للمسلمات. وترى أن معنى الحجاب يتغير في أمريكا اليوم وهو ما يتبين عند الحديث مع مسلمات يرتدين الحجاب أو غطاء الرأس، فبعضهن ناشطات نسائيات شغوفات. وتشرح ليلى كيف أن ارتداء الحجاب يرتبط بمجموعة من العوامل، من بينها "الرغبة في التأكيد على الهوية الإسلامية، ومواجهة الصور النمطية،... والتعبير أحيانا عن التضامن مع الفلسطينيين وحث باقي النساء على التفكير في الانحياز للنوع في المجتمع، بما في ذلك مدى إمكانية تأثير خيارات اللباس والمظهر الخارجي على معاملة النساء."[7]

وختاما، يقدم تحليل ليلى أحمد للسياسات وتاريخ الحجاب نظرة مهمة لكيفية رؤية الحجاب في سياق تقليدي ومعاصر. كما أن مراجعتها لأفكارها وأحكامها المسبقة عن الحجاب الذي كانت تعتبره رمزا للأصولية أهم ما ميز عملها. فبعد دراستها الشمولية لموضوع ارتداء الحجاب على مر العقود الماضية، توصلت إلى خلاصات جديدة تتمثل في أن الحجاب لا يحمل معنى عالميا، وإنما يمثل مواضيع مركزة. وتبين دراساتها ضرورة فهم الرمزية السياسية والاجتماعية الكبيرة لارتداء الحجاب. فعبر تطبيق هذه الرمزية على التطورات السياقية في المجتمع المعاصر، يتمكن المسلمون وغير المسلمين من إعادة تقييم رؤيتهم الشخصية للحجاب بشكل خاص وللإسلام بشكل عام.

المراجع:

Leila Ahmed, Women and Gender in Islam (1992) p. 167

Thomas, C. K., & Hook, E. (2001, May 23). Leila Ahmed: Biography/Criticism. . Retrieved      July 1, 2014, from voices.cla.umn.edu/artistpages/ahmedLeila.php

Tippett, Leila . "Leila Ahmed -- Muslim Women and Other Misunderstandings." On Being. :     Krista Tippett Public Productions, Web. http://www.onbeing.org/program/muslim-         women-and-other-misunderstandings/133

 

 


[1] متدربة بمركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام.

[2] في كتابها المعنون A Border Passage: From Cairo to America (1999) (مسار محدد: من القاهرة إلى أمريكا)

[3] Lieblich, J. (1999, August 12). Professor combats ignorance about Islam, women. Retrieved July 1, 2014, from www.angelfire.com/me/anneesa/ahmed.html

 

[5] Brady, M. (2012, March 8). Women and Gender in Islam, by Leila Ahmed. Retrieved July         1, 2014, from mdbrady.wordpress.com/2012/03/08/women-and-gender-in-islam-by-leila-      ahmed/

[6] Tippett, Leila . "Leila Ahmed -- Muslim Women and Other Misunderstandings." On Being. :      Krista Tippett Public Productions, Web. http://www.onbeing.org/program/muslim-   women-and-other-misunderstandings/133

[7] O'Donnell, E. (2011, September 1). The Veil's Revival. Harvard Magazine.

 

نشر بتاريخ: 03 / 03 / 2015



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مارغوت بدران

مارغوت بدران

تهتم باحثات من مختلف الأقطار بالقضايا النسائية في الإسلام، ويكرسن جهودهن لإنجاز بحوث ودراسات تطرح هذه القضايا وتحللها من زوايا مختلفة. وتعتبر مارغوت بدران إحدى هؤلاء الباحثات حيث تهتم، على وجه الخصوص، بالحركة النسائية الإسلامية على مستوى التأريخ وتحلل التجربة النسائية في سياق إسلامي.

السيدة فاطمة زاه: تحارب الأمية من أجل تنمية أوركا إيداوتنان

السيدة فاطمة زاه: تحارب الأمية من أجل تنمية أوركا إيداوتنان

السيدة فاطمة زاها امرأة تجاوزت الثمانين من عمرها، و لا تزال تشع حيوية و أملا و إصرارا على العمل. هي مثال للتحدي و قوة الإرادة و العزيمة وقدوة يحترمها كل من يعرفها. دفعها فضولها ورغبتها في قراءة القرآن للانخراط في برنامج محو الأمية منذ سنة 1997 حيث تعلمت قواعد القراءة والكتابة باللغتين العربية والفرنسية ثم بعد ذلك انتقلت إلى نشر رسالتها عبر تعليم بنات و نساء قريتها والقرى والدواوير المجاورة عبر تأسيس جمعية تاليليت (العتق أو النجاة)...

ثريا الشاوي... شهيدة الوطن

ثريا الشاوي... شهيدة الوطن

اعتدنا في حديثنا عن المغربيات اللواتي تميزن عبر التاريخ أن نتوقف عند عظيمات من أمثال زينب النفزاوية وفاطمة الفهرية...، لكننا نغفل كثيرا امرأة مغربية من تاريخ المغرب المعاصر لم يطُل مقامها في هذه الدنيا سنوات مديدة، إلا أنها تبقى رمزا للمرأة المغربية الذكية، والطموحة، والفاعلة، والوطنية. يتعلق الأمر بثريا الشاوي، أول ربانة طائرة في العالم العربي والإسلامي وشهيدة الوطن...