قراءة في كتاب

النساء والديانات " Femmes et religions, points de vue de femmes du Maroc"
النساء والديانات " Femmes et religions, points de vue de femmes du Maroc"

سارة لوكيلي (متدربة)

 

 

 

من بين أحدث الإصدارات في المكتبات المغربية كتاب " Femmes et religions, points de vue de femmes du Maroc" الذي صدر عن دار « La croisée des chemins » للنشر بالدار البيضاء شهر نونبر 2014. هذا الكتاب الذي يقع في 311 صفحة يعد ثمرة مجهود جماعي لأسماء بارزة من مختلف الميادين والتخصصات وباللغات العربية والأمازيغية والفرنسية والانجليزية. قامت بالإشراف عليه وتوجيهه الدكتورة حكيمة لبار في محاولة لتشكيل صورة متنوعة عن رسالة التعايش المنتجة للغنى الثقافي والعقائدي والعرقي واللغوي بالمغرب ووصلها بواقع المرأة المغربية و سبل تجاوز التمييز ضدها.  

"تولد كل ثقافة من الاختلاط و الاجتماع و الاشتباكات. على عكس ذلك، بالعزلة تموت الحضارات"-أوكتافيو باز. بهذه المقولة تم استهلال الكتاب للإشارة إلى محورية رسالة التعايش و أهميتها في تجاوز واقع التمييز ضد المرأة بشكل عام. كما أن الصورتين على غلاف الكتاب تجذب القارئ وتستوقفه لكي ينظر مليا ويتأمل معاني عميقة حول التعايش وعلاقة المرأة بالدين قد لا تستطيع الكلمات أن تصفها.

إن أكثر ما يجعل هذا الكتاب فريدا من نوعه هو أنه يجمع مساهمات نساء من أجل نساء، وتتطرق كل منها الى اشكاليات التعايش بين الديانات و التمييز ضد المرأة و واقعها في المجتمع و الأسرة و الدين. يمكننا أن نصنفها الى أكاديمية و فلسفية تناقش الأفكار حول وضعية المرأة، وأخرى أدبية تناقش ما يهم المرأة بعين بلاغية، و قصص قصيرة تخاطب الخيال العاطفي و تقرب القارئ الى ما يخالج الكاتبة و تصورها للواقع.

  ناقشت كثير من المساهمات أوجه الاستعانة بالدين لتبرير و تقديس التراتبية الاجتماعية التي تضع المرأة في منزلة أقل من نظيرها الرجل. وقد طرحت الدكتورة و الكاتبة في قضايا النساء في الاسلام، أسماء المرابط، اشكالية اضطهاد المرأة ومدى ارتباطها في الأصل بالدين أوالنظام الثقافي والاجتماعي. فأيهما يضطهد المرأة؟ وكيف يمكن أن تستخدم المجتمعات الأبوية الدين لخدمة التراتب الاجتماعي؟

بينما استعرضت الدكتورة أسماء المرابط أوجه الاضطهاد في مختلف الديانات و المجتمعات، استعانت الباحثة هند عروب بأمثلة تشمل الارث و تعدد الزوجات للفت الانتباه والتأكيد على ضرورة عمل كل الديانات و كل أفراد المجتمع معا لنصرة قضية المرأة لأنها رسالة تهم البشرية جمعاء.

كما تطرقت مقالات أخرى الى ازدواجية الخطاب تجاه المرأة بين الدين و الواقع القضائي و الاقتصادي و نظرة المجتمع لجسدها. فحسب المحامية والجامعية ميشيل زيراري، يتخلل القانون المغربي الكثير من التناقضات فيما يخص حرية الدين ونظرة القضاء إلى الحياة الخاصة للأسر المغربية. فما هي طبيعة العلاقة بين الدين و المجتمع و القضاء بالمغرب؟ و كيف نستطيع أن نعاين نظرة مجتمع متنوع في الثقافات والقيم إلى امرأة متعددة الخلفيات والطموحات؟

هذه الأسئلة وغيرها قد يجد القارئ إجابات عنها بالانتقال إلى مساهمة المتخصصة في علم الاجتماع حورية الرباح التي جمعت شهادات بوجدة حول نظرة الرجال لجسد المرأة والتي تكشف حجم انتشار عقلية الهيمنة الذكورية والرغبة في امتلاك جسد المرأة انطلاقا من تبريرات وخطابات دينية. فإذا كانت المرأة موضوعا للقمع الجنسي والجسدي لقرون، فإن الكاتبة تقترح أن تغيير العقليات المتبنية لهذه السلوكات يقع اليوم بشكل أكبر على عاتق الرجال الذين يأمل منهم أن يتجاوزوا سوء الفهم هذا.

جدير بالذكر أن الدين الإسلامي في علاقته بواقع المرأة المغربية أخذ نصيبا كبيرا من مساحة الكتاب خاصة في المقالات الأكاديمية التي تناولته كمعطى مهم باعتباره دين الدولة و ملهم التشريعات القضائية والعادات الاجتماعية التي يتبعها معظم المغاربة. بالمقابل فقد حاولت مساهمات أخرى تسليط الضوء على واقع نساء مغربيات يهوديات أو مسيحيات أو ملحدات عكست جانبا مغفولا عنه من واقع المرأة المغربية غير المسلمة. الأستاذة الباحثة عائشة بلعربي، على سبيل المثال، قدمت صورة عن الجدل السائد حول المرأة اليهودية ذات الإسهامات المشرفة والمقصية في نفس الوقت. قدمت الكاتبة للقارئ في مقالها بالصفحة 107 جملة من المعلومات والمعطيات المهمة حول تطور وضعية المرأة اليهودية في مسار تغير المجتمع والقانون المغربي، إلا أنها لفتت الانتباه إلى أهمية ملائمة الشريعة اليهودية لخصوصيات هذا العصر.

في الوقت الذي يصعب فيه إدراج مساهمات الكتاب في محاور واضحة، يلاحظ القارئ أن هذا العمل لم يقتصر على ما هو علمي و أكاديمي ولكن انتقل إلى عرض أشعار و كتابات أدبية  قدمت وصفا بلاغية عن وضع المرأة في مجتمع يفرض عليها ما يجب أن تقبله وعن دكتاتورية الأعراف في قصيدة أمازيغية لخديجة أروحال بعنوان "قالوا لكي"، كما قدمت حفصة بكري لمراني قصيدة بالانجليزية ترجع بالقارئ إلى التاريخ في قصيدة "نداء هاجر" حيث تستحضر مقارنه بين ما واجهته أمنا هاجر وما تواجهه نساء اليوم في محاولة لاستخلاص الدروس حول نفس التحديات التي تتمظهر في بأشكال مختلفة.

لعل أكثر النصوص التي استطاعت أن تعبر عن واقع المرأة هي تلك التي استعانت بأسلوب القصة و الذي من خلاله وضعت كل كاتبة عصارة تجاربها بكل صدق وعفوية. روت الكاتبة شمس صهباني قصتها مع  اختيار ارتداء الحجاب باستعادتها لأحداث جريمة اغتصاب طفل وتوالي التحرشات الجنسية بها من طرف محيطها الأسري، الأمر الذي دفعها لارتداء الحجاب لتفرض احترام المجتمع لها. تحكي الكاتبة أنها تواجه مجتمعا "منفصم الشخصية" والذي يملك معظم أفراده الجرأة للتخلي عن الدين بأن يخرقوا كثيرا من مبادئه لتلبية نزواتهم. تذكرنا شمس صهباني هنا بما يهيمن على الساحة الاعلامية و السياسية العالمية اليوم من نقاشات حول منع الحجاب بالمجتمعات الغربية، و حالات الاغتصاب بالهند بل بالعالم أجمع. فكيف يستطيع أي شخص أن يتخد قرارا أو يلقي حكما يخص جسد و كيان امرأة بينما لم يرى العالم من خلال أعينها يوما؟

إن مضمون هذا الكتاب يتطلب نوعا من الصبر الفكري قبل أن يطلع القارئ على محتواه و هو موجه لكل الفئات العمرية مهما تباينت درجات المامها بما يربط المرأة بالدين في المجتمع. يمكن أن ندرجه ضمن الكتابات التي تقدم وجهات نظر مختلفة يستطيع أن يستفيد منها كل من المبتدئ والمتخصص في مواضيع المرأة. لكن أكثر ما يجب أن نلفت الانتباه اليه هو ضرورة قراءة الكتاب بأكمله قبل اصدار أي حكم بحقه لأن روحه لا يمكن أن تتمثل في مقال واحد كما لا يمكننا أن نلخصه في قراءة واحدة.

 

نشر بتاريخ: 04 / 02 / 2015



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

"قد تتساءلون: من أكون حتى أجرؤ على مخاطبتكم على هذا النحو؟ أنا مسلمة رافضة، وذلك لا يعني أنني أرفض أن أكون مسلمة، إنني أرفض ببساطة الانضمام إلى جيش من الآلات المتحركة باسم الله" الصفحة 155. إرشاد منجي وجه آخر من أوغندا، تلقت تعليمها بداية في مدرسة مسيحية ثم التحقت بمدرسة دينية تقليدية إسلامية، مثلت لها هذه الأخيرة صدمة عنيفة قبالة المدرسة المسيحية المتسامحة، تساؤلاتها واحتجاجاتها كانا سببا في طردها من المدرسة، فكان لذلك وقع كبير عليها حتى كادت تخرج من دائرة الإيمان الإسلامي لولا مقاومتها، وشق الطريق للتعرف على الإسلام من وجهة نظر خاصة واجتهاد فردي.

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

تسليمة نسرين أو "امرأة غاضبة" كما سمّاها المؤلف، هي أول مثال ساقه المؤلف للنسوية الرافضة، وبكلمات تعبر عن طبيعة غضبها يفتتح الفصل الثاني الذي يمتد بين الصفحة 85 والصفحة 117.

" أستطيع أن أقول إنني منذ سن السادسة قد أدركت قسوة هذا العالم، هذا العالم الذي لا يوجد فيه شيء أعظم شقاء من أن يحيا إنسان ما حياة امرأة"[1].