نساء فاعلات

ثريا الشاوي... شهيدة الوطن
ثريا الشاوي... شهيدة الوطن

 

بشرى لغزالي

 

 

اعتدنا في حديثنا عن المغربيات اللواتي تميزن عبر التاريخ أن نتوقف عند عظيمات من أمثال زينب النفزاوية وفاطمة الفهرية...، لكننا نغفل كثيرا امرأة مغربية من تاريخ المغرب المعاصر لم يطُل مقامها في هذه الدنيا سنوات مديدة، إلا أنها تبقى رمزا للمرأة المغربية الذكية، والطموحة، والفاعلة، والوطنية. يتعلق الأمر بثريا الشاوي، أول ربانة طائرة في العالم العربي والإسلامي وشهيدة الوطن.

المنشأ والأسرة:

وُلدت ثريا الشاوي في أواسط الثلاثينيات بفاس من أسرة تتكون من والديها وأخيها صلاح الدين، وكبرت في تربة صالحة وسط أسرة تشجع على المعرفة والعطاء. ففي عام 1943، أحضر لها والدها أحد أساتذة القرويين ليلقنها يوميا دروسا في الفقه والنحو والتاريخ والإنشاء والمحادثة. وفي نهاية 1944، انتقلت إلى مؤسسة حرة لحزب الاستقلال، ثم حصلت على الشهادة الابتدائية سنة 1946. بعد ذلك انتقلت الأسرة الصغيرة إلى مدينة الدار البيضاء لتستقر بها سنة 1948. وفي أوائل 1949، بعثها والدها لاستكمال دراستها في الاختزال في تونس لمدة 6 أشهر، وفي غشت من نفس السنة توظفت كاتبة في الوكالة المغربية للأنباء والإشهار والسفر.

تعددت مواهب ثريا من تمثيل وخطابة ومارستهما بشغف عندما قدمت دورا سينمائيا في الفيلم الفرنسي La Septième Porte رفقة أبيها الذي شاركها التمثيل إلى جانب أبطاله وكان بدوره من رواد المسرح والسينما في المغرب. وقد كان الأب عبد الواحد الشاوي كاتبا وصحافيا معروفا ومن المغاربة القلائل الذين اشتغلوا في الصحافة الناطقة بالفرنسية (Le Courrier du Maroc). أجادت ثريا أيضا فن الخطابة، إذ نالت جوائز لتَمَيزها في الخطابة الأدبية والاجتماعية ذات الحس الوطني في المناسبات الوطنية.

الطيران... عشق منذ الصغر

لم تكن الأسرة تستهين بأحلام ثريا بل دعمتها وشجعتها عليها. فقد كانت ثريا مولعة بكل ما يرتبط بالطيران وتلتهم كل ما يُكتب عنه وتعشق الألعاب الميكانيكية وترقب بإعجاب الطائرات التي تحلق فوق منزلهم. لم تُخف حلمها منذ صغرها بأن تصبح ربانة. كما أن والدها شجعها على هذا الحلم الذي كان يبدو بعيد المنال في ذلك الوقت، وأصر على تسجيلها في مدرسة تيط مليل للطيران التي كانت مخصصة للرعايا الفرنسيين. فلم يكن من السهل أن تلتحق بهذه المدرسة، إلا أن الأب ألح على التحاقها بها والتزم بدفع المصاريف اللازمة لذلك.

امتازت ثريا في دراستها واجتازت امتحان التخرج بنجاح رغم الجو الغائم والمضطرب الذي لم يدفع اللجنة إلى تأجيل الامتحان، كما جرت العادة في مثل هذه الحالات. وبذلك حصلت ثريا على شهادة الطيران عن عمر 15 سنة في عام 1951. تصدر هذا الخبر عناوين الصحف الوطنية والدولية، فثريا أول امرأة عربية ومسلمة وإفريقية تحصل على شهادة الطيران في هذه السن المبكرة وكانت سباقة لوظيفة ربانة طائرة في المغرب على مستوى الرجال والنساء معا، في زمن كانت الطيارات في العالم قليلات جدا. وبهذه المناسبة وعقب هذا النجاح، تلقت ثريا وأسرتها التهاني والتبريكات من جهات محلية ودولية كثيرة مثل عبد الكريم الخطابي وجاكلين أريول، أول ربانة طائرة فرنسية، والاتحاد النسوي الجزائري والاتحاد النسوي التونسي.  كما استقبلها الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله في القصر الملكي حيث أثنى على والدها حسن التربية والاهتمام قائلا: "هكذا أحب أن يكون الآباء"، وعلى صنيعها الذي جعلها مفخرة للوطن.

ثريا تساند قضية الاستقلال والقضايا النسائية

كانت للقضايا السياسية والاجتماعية نصيب من اهتمام ثريا الشاوي. فقد ترعرعت هذه الفتاة في وسط ثقافي ووطني وتأثرت بالمثقفين والوطنيين من خلال علاقة والدها بحزب الاستقلال والحركة الوطنية. وكانت تدعم القضية السياسية للمغرب وتناهض الاحتلال الفرنسي في المغرب وتطالب بعودة محمد الخامس من المنفى. وكانت من المستقبلين له عند عودته من المنفى والمرحبين بقدومه من طائرتها في 16 نونبر 1955. كما أبرزت ثريا أيضا حنكتها عندما قادت طائرة مدنية تحمل 31 راكبا من غرناطة إلى تطوان بعد أن دعاها كومندار مطار غرناطة إلى أن تتولى القيادة.

لم تدعم ثريا القضية السياسية للاستقلال فحسب، بل اهتمت أيضا بالقضية الاجتماعية للمغاربة. فقد كانت تشارك في حملات تحسيسية تروم انتشال المرأة من الأمية وتوعيتها بالقضية الوطنية من خلال تأسيس جمعيات ومؤسسات تروم تحقيق هذا الغرض. كما أن شهرتها وأنموذجيتها جعلا منها سفيرة للقضية النسائية داخل مؤسسة للا أمينة المعنية بمساعدة الفتيات ودعم تحرير النساء.

رحيل ثريا الشاوي...

لم تكن مسيرة ثريا القصيرة خالية من العقبات والتهديدات، بل تعرضت لعدة محاولات اغتيال في عامي 1954 و1955 باءت بالفشل من بينها محاولة اغتيال ارتكبتها مجموعة Présence الفرنسية التي كانت تقوم بأعمال إرهابية لإعاقة الاستقلال. ويروي صلاح الدين، أخو ثريا، أن العلامة علال الفاسي نصح والده عبد الواحد الشاوي بالانتقال إلى خارج البلاد بشكل مؤقت بسبب هذه التهديدات، لكنه لم يستجب إلى طلبه.

لكن ثريا لم تفلت من آخر محاولة لاغتيالها أزهقت روحها على الفور، وذلك فجر الاستقلال في الفاتح من مارس من العام 1956. اغتيلت ثريا برصاص في رأسها عندما كانت رفقة أخيها صلاح الدين البالغ من العمر آنذاك 11 سنة أمام منزل والديها وعلى مرأى والدتها التي كانت تطل من الشرفة. أنهى هذا الاغتيال مسيرة شابة يافعة مليئة بالحياة والطموح لم تتجاوز بعد عقدها 19، وشُيعت في جنازة وطنية مهيبة وكُتب على قبرها عبارة "الآنسة ثريا الشاوي، شهيدة الوطن". بقيت دوافع هذه الجريمة غامضة وتركت المجال لأكثر من تخمين. لكن مهما اختلفت أسباب هذا الاغتيال وتعددت دوافعه، إلا أن النتيجة تبقى واحدة، وهي تصفية رمز نسائي للحرية والتحدي والكرامة والوطنية...

خاتمة

أُطفِئت شعلة ثريا الشاوي بُعيد ما توقدت، شعلة كفيلة بأن تضيء درب نظيراتها وتحفزهن على العمل والعطاء والوطنية. ونحتاج اليوم إلى تسليط الضوء على مثل هذه النماذج النسائية في التعليم والإعلام، في وقت تتسرب ثقافة فكرية تشجع على الاستهلاك والفردانية وتخدر العقل وتغيب الحس النقدي أمام مختلف الأفكار الثقافية والدينية الدخيلة التي يمكنها أن تتحكم في مصائر نساء كثيرات وتكبح قدرتهن على المشاركة بفاعلية في مجتمعهن. فالشهيدة ثريا الشاوي نموذج مغربي يستحق أن يُحتذى به وأن نتوقف أمامه باحترام وإجلال وتقدير، نموذجٌ لعظيمة قل نظيرها.

المراجع:

-        الفيلم الوثائقي "أول طيارة مغربية الشهيدة ثريا الشاوي"، مؤسسة محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث، (http://www.youtube.com/watch?v=FytHI9NNcTA)

-        Laabib, Rania. Touria Chaoui : les ailes brisées de l’indépendance, magazine illi, 19 novembre 2013, (http://www.illionweb.com/touria-chaoui-les-ailes-brisees-lindependance/)

-        لحسن العسبي، قصة حياة أول طيارة مغربية، الشهيدة ثريا الشاوي للأستاذ عبد الحق المريني، (http://www.maghress.com/alittihad/93270)

-     Bencheikh, Souleiman. Touria Chaoui, un destin brisé, Zamane, 1\11\2012 (http://zamane.ma/fr/touria-chaoui-un-destin-brise/)

-        أحمد أبو طيب، القصة المثيرة لثريا الشاوي أول طيارة مغربية، موقع منارة (http://www.menara.ma/ar/مجلة-منارة/مرأة/2013/03/07/524540-القصة-المثيرة-لثريا-الشاوي-أول-طيارة-مغربية.html)

-        الشهيدة ثريا الشاوي أول طيارة بالمغرب الكبير في طبعة جديدة، موقع الصحراء المغربية (http://www.almaghribia.ma/جريدة/2009/الشهيدة-ثريا-الشاوي-أول-طيارة-بالمغرب-الكبيرفي-طبعة-جديدة/90200.html)

 

نشر بتاريخ: 02 / 02 / 2015



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

مارغوت بدران

مارغوت بدران

تهتم باحثات من مختلف الأقطار بالقضايا النسائية في الإسلام، ويكرسن جهودهن لإنجاز بحوث ودراسات تطرح هذه القضايا وتحللها من زوايا مختلفة. وتعتبر مارغوت بدران إحدى هؤلاء الباحثات حيث تهتم، على وجه الخصوص، بالحركة النسائية الإسلامية على مستوى التأريخ وتحلل التجربة النسائية في سياق إسلامي.

السيدة فاطمة زاه: تحارب الأمية من أجل تنمية أوركا إيداوتنان

السيدة فاطمة زاه: تحارب الأمية من أجل تنمية أوركا إيداوتنان

السيدة فاطمة زاها امرأة تجاوزت الثمانين من عمرها، و لا تزال تشع حيوية و أملا و إصرارا على العمل. هي مثال للتحدي و قوة الإرادة و العزيمة وقدوة يحترمها كل من يعرفها. دفعها فضولها ورغبتها في قراءة القرآن للانخراط في برنامج محو الأمية منذ سنة 1997 حيث تعلمت قواعد القراءة والكتابة باللغتين العربية والفرنسية ثم بعد ذلك انتقلت إلى نشر رسالتها عبر تعليم بنات و نساء قريتها والقرى والدواوير المجاورة عبر تأسيس جمعية تاليليت (العتق أو النجاة)...

ليلى أحمد

ليلى أحمد

نُقدم هذا الشهر إحدى النساء اللواتي انكببن في مسارهن العلمي على القضايا النسائية والإسلام وسعين إلى إعادة النظر في مجموعة من الأفكار السائدة بشأن هذه القضايا. يتعلق الأمر بالكاتبة ليلى أحمد التي وُلدت في عام 1940 بالقاهرة حيث تأثرت منذ صغرها بالقيم المصرية الإسلامية التقليدية وكذا ...