قراءة في كتاب

"الحركات النسائية الإسلامية" لزهراء علي
"الحركات النسائية الإسلامية" لزهراء علي

كامي إويرس[1]

ترجمة بشرى لغزالي

 

 


أصدرت زهراء علي، عالمة الاجتماع والمتخصصة في دراسات النوع وقضايا العنصرية المرتبطة بالإسلام، كتابها باللغة الفرنسية المعنون "Féminismes Islamiques" (الحركات النسائية الإسلامية). تقربنا زهراء علي من خلال هذا الكتاب من باحثات وناشطات مثل مارغوت بدران Margot Badran وأسماء بارلاس Asma Barlas وزيبا مير حسيني Ziba Mir-Hosseini وأسماء المرابط Asma Lamrabet وزينة أنور Zainah Anwar، إذ تسمح مشاركاتهن للقارئ بتكوين رؤية شاملة عن المقاربة النسائية في عدة دول عربية ومسلمة وأوروبية أيضا. وينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، إذ يتطرق الجزء الأول إلى الجانب النظري للقراءات البديلة، ويتناول الجزء الثاني الحركة النسائية الإسلامية كحركة عابرة للأوطان، في حين يستعرض الجزء الثالث حوارين في موضوع نضال المسلمات ضد القمع.

تمهد زهراء علي لكتابها بمقدمة تعبر فيها عن رغبتها في القطيعة مع النظرة الاستشراقية والعنصرية التي تطبع النقاشات عن النساء والإسلام، كما تسعى في نفس الوقت إلى التأكيد على وجود حركة نسائية إسلامية من خلال وقوفها على محطات تاريخية مهمة طبعت الحراك النسائي. فقد عرفت المجتمعات الإسلامية حركات نسائية داخلية على مر التاريخ، تظهر في نهاية القرن التاسع عشر على شكل حركة ثقافية إصلاحية أصبحت فيما بعد، في القرن العشرين، حركة اجتماعية في سياق النضال الوطني ومقاومة الاستعمار. كما طُرحت قضية المرأة في الإسلام على يد مفكرين مصلحين دعوا إلى إعمال الاجتهاد كأداة تسمح بإعادة التفكير في الإسلام في سياقه[2]. وفي السبعينيات، ظهر خطاب يدعو إلى حداثة إسلامية عبر إدخال بعض المطالب النسائية. ثم ما بين الثمانينيات والتسعينيات، أصبح الخطاب النسائي في البلدان الإسلامية خطابا نسائيا من داخل الإسلام.

وتتابع الكاتبة التعريف بالحركة النسائية الإسلامية المعاصرة باعتبارها حركة عابرة للأوطان واستمرارية للفكر الإصلاحي الإسلامي لنهاية القرن التاسع عشر. تدعو هذه الحركة إلى العودة للأصول الإسلامية لأن الدين الإسلامي ينادي بالمساواة بين الجنسين ويرفض النظام الذكوري. أما الاجتهاد فهو أداة تسمح دائما بإعادة قراءة النصوص بشكل يخلص الإسلام من التفاسير التمييزية. وتروم الحركة النسائية المعاصرة مراجعة الفقه الإسلامي والتفاسير، وإعادة كتابة تاريخ النساء المسلمات بغية استعادة مكانتهن في التأريخ الإسلامي، وإعداد فكر نسائي أو نسائي إسلامي يرتكز على المساواة والتوحيد والإيمان بأن الشريعة منهج وليست قانونا وبالتالي أمكن إعادة التفكير فيها. وتعرف الحركة النسائية الإسلامية المعاصرة ثلاثة توجهات مختلفة: أولا التوجه الإصلاحي التقليدي الذي يقر بأن الرجال والنساء متساوون طبقا لرسالة الوحي، لكن اختلافاتهم البيولوجية تتسبب في اختلاف الأدوار بين الرجال والنساء. وبالتالي يملكون حقوقا وواجبات متعادلة وغير متساوية. ثانيا التوجه الإصلاحي الراديكالي الذي يعتمد على العلوم الاجتماعية في التعامل مع المصادر الدينية. فالنساء والرجال متساوون بغض النظر عن السياقات الثقافية والاجتماعية. ثالثا التوجه الإصلاحي الليبرالي الذي يرتبط بشكل أو بآخر بالنصوص الدينية، حيث يشكل القرآن مجموعة من المبادئ الفلسفية والأخلاقية. وبالتالي ينحرف التصور الإسلامي الذكوري عن نموذج المساواة بين الجنسين.

بعد هذا التقديم الذي أحاط بالحركة النسائية الإسلامية، خصصت زهراء علي الجزء الأول من كتابها لثلاث مقالات في موضوع إعادة قراءة النصوص الدينية على المستوى النظري والأكاديمي للحركة النسائية الإسلامية المعاصرة. تنطلق الكاتبة مارغوت بدران في مقالها من قناعتها بأن القرآن يقدم الحجج الضرورية التي تثبت رفضه النظام الذكوري وتأييده المساواة بين الجنسين. وتضيف بأن الحركة النسائية الإسلامية المعاصرة هي خطاب وممارسة، حيث تعمل في إطار النموذج الإسلامي، وتهدف إلى الدفاع عن حقوق النساء والمساواة بين الجنسين، وتعتمد في حججها على المصادر الإسلامية دون الاقتصار عليها. وترفض بدران الفكرة المنتشرة في عدة مجتمعات مسلمة عن كون الحركة النسائية حركة غربية، إذ تبين هذه الفكرة في نظرها نقصا في المراجع التاريخية وتُستعمل ذريعة لإزالة الغطاء الشرعي عن الحركة النسائية في البلدان الإسلامية. وأضافت بأن "الحركة النسائية، على العكس من ذلك، نبتة لا تنمو إلا في تربتها"[3].

أما في مقال الكاتبة أسماء المرابط، تبدأ بانتقاد مسألة اختزال جميع المسلمات في بعد ثقافي واحد، على اعتبار أن التمييز ضد النساء مسألة عالمية. ويبدو أن لكل سياق اجتماعي وسياسي وجغرافي مقاييسه العالمية الخاصة بقمع النساء، وهذا ما يمكن اعتباره تداخلا بين الجنسانية والعنصرية. لذلك ترى المرابط ضرورة إعادة قراءة النصوص الدينية من منظور نسائي أخذا بعين الاعتبار كون الحداثة لا تعني القطيعة مع الماضي، وإنما تقدير العلاقة مع ذلك الماضي. وفي ما يتعلق بإعادة القراءة، لا بد من التمييز بين نوعين من الآيات القرآنية: آيات ذات بعد عالمي تضم قيما أخلاقية عالمية صالحة لكل زمان، وآيات تحمل معنى يرتبط ويستجيب لحاجيات العصر الظرفية المؤقتة. ستسمح إعادة قراءة النصوص الدينية والتفاسير البشرية في نظر المرابط بإنجاز إصلاح جذري للفقه يمكن النساء من استعادة المعرفة الدينية وفك الخطاب الذكوري الذي يؤخر تحريرهن[4]. وعلى نفس النهج، تعتبر أسماء برلاس القرآن الطريق الذي يسمح بتحرر المسلمات. وتضيف بأن القرآن يقدم جميع الحجج التي ترفض النظام الذكوري والتمييز، ويدافع في نفس الوقت عن رؤية مساواتية للرجال والنساء. وفي هذا السياق تقول: "لذلك أؤمن بأن الحركات التي تناضل من أجل حقوق النساء في المجتمعات المسلمة ستجد أفضل أسلحتها الدفاعية في القرآن نفسه"[5].

تقارب المقالات الأربعة التي يضمها الجزء الثاني من الكتاب الحركات النسائية الإسلامية عبر العالم. تقدم مليكة حاميدي الحركة النسائية المسلمة في أوروبا ولاسيما في فرنسا. خلال العقدين الأخيرين، أصبحت قضايا النوع حركة فكرية عابرة للأوطان، وأيضا حركة للنشاط النسائي الإسلامي. فمن جهة، تشتغل الحركة على التفاسير النسائية الإسلامية، ومن جهة أخرى على نقل الأفكار المتعلقة بالمعرفة النسائية الإسلامية إلى العالم بأسره، من أجل خلق بعد عالمي للحركة. تتناول الحركة النسائية الإسلامية في أوروبا موضوع تحرير النساء انطلاقا من ثقافة ذكورية قدسها الفهم التقليدي للإسلام، بالإضافة إلى نضالها ضد التمييز ودفاعها عن المساواة بين جميع المواطنين مهما كانت ثقافتهم وديانتهم. وتتناول الحركة في أوروبا مشاكل الهجرة وغيرها من المشاكل التي تعانيها المسلمات من الجيل الثاني في أوروبا، إذ تستطيع هؤلاء المسلمات عن طريق الحركة النسائية الإسلامية فصل ما هو ثقافي عن الدين، للتوصل إلى مقاربة إسلامية لقضايا المساواة بين الجنسين. إن عبور الحركة للأوطان هو أداة قوة في يد الحركة النسائية الإسلامية التي تسمح بتشارك المعرفة ونقلها وخلق مجتمع مدني دون حدود.

وفي المقال الموالي، تقدم زيبا مير حسيني الحركة النسائية في إيران والظروف التي جعلت الناشطات النسائيات في إيران يطالبن بتحقيق مجموعة من القيم وقبول التعددية والمساواة بين الجنسين. فقد فتحت هذه الحركة النسائية المجال لظهور خطاب عن التراث الفقهي الإسلامي. وفي هذا السياق، قالت زيبا "إن الرغبة في فصل النظام الذكوري عن نصوص الوحي، والتعبير عن رؤية مساواتية وأخلاقية للإسلام كلها أمور يمكنها أن تعطي للمسلمات من جميع الأوساط القدرة على القيام بخيارات متزنة"[6].

وفي مقال آخر، تقدم زينة أنور الحركة النسائية المسلمة في ماليزيا ولاسيما منظمة أخوات في الإسلام، الحركة التي تناهض العنصرية الجنسية التي تُرتكب باسم الإسلام. كما ترى زينة أن ماليزيا أوجدت نفسها في مرحلة تناقض بين التوجه المعاصر للبلد وتجمد قوانين الأسرة المسلمة منذ التسعينيات، في حين تزداد نسبة النساء المتعلمات والعاملات في مواقع السلطة والمشاركات بحرية في المجال العام. لكن رغم ذلك تتعرض النساء في المجال الخاص للتمييز باسم الإسلام. وفي هذا السياق، تعمل حركة أخوات في الإسلام في إطار ديني، وتعتمد على الاجتهاد الذي تعتبره هذه الحركة أداة مهمة تحتاج إلى التزام جماعي في الدول القومية المعاصرة لكي يُمارس بشكل جماعي. وتقر زينة بوجود حركات أخرى في ماليزيا لا تعمل في إطار ديني، لكنها تعتمد على قيم ومبادئ عالمية لاعتقادها بأن المرجعية الدينية ستخدم في نهاية الأمر مصالح الرجال الذين يقمعون النساء باسم الدين.

وتختم أميمة أبو بكر الجزء الثاني من الكتاب عبر تقديم الحركة النسائية في مصر بعد الثورة. وترى أن الحركة النسائية الإسلامية تعمل على ثلاثة مستويات: تفسير القرآن الذي يبين أن النساء بدأن العمل على علوم الدين؛ والقيام بعمل عابر للأوطان وإنشاء شبكات للمطالبة بمراجعة الفقه؛ والقول بأن القيم الأخلاقية الإسلامية والتصوف يؤكدان على مبدإ الأنوثة ويعكسان موقفا أكثر اعتدالا فيما يتعلق بالجنس النسوي. وأخيرا تبين أهمية البحث في التاريخ المنسي للنساء المسلمات لفترة ما قبل الحداثة، وضرورة تعزيز الإصدارات الأكاديمية والفكرية للمسلمات. وارتباطا بالأحداث المعاصرة التي تعرفها مصر، تشير أميمة إلى أن النساء أُقصين من العملية السياسية رغم مشاركتهن في الثورة. وبالتالي تدعو إلى ضرورة تحديد النساء "لمنزلتهن في السياق الثوري الحالي"[7].

وفي الجزء الثالث والأخير من الكتاب، أجرت زهراء علي حوارا مع سعيدة قادة، نتعرف من خلاله على الحركة النسائية الإسلامية في فرنسا كحركة تناهض العنصرية، وكيف اجتمعت الحركات النسائية المسلمة بمجموعات نسائية أوروبية، للدفاع عن قضايا محورية تهم حقوق النساء. بالإضافة إلى ذلك، يبين هذا الحوار أهمية ربط القضايا الاجتماعية والعرقية في فرنسا بالهجرة، كما هو الحال بالنسبة للنقاشات الدائرة حول منع الحجاب. أما في حوار مع السيدة حنان اللحام، تشرح تجاربها مع الحركة المنادية للسلام في سوريا وتتحدث عن المسار الذي سلكته لفتح مدرسة أولية وابتدائية من أجل تعزيز تعليم بديل للعقل الناقد والفكر الحر.

يهدف هذا الكتاب إذن إلى تقديم حركة تعتمد على العمل النظري تقترح من خلاله طرقا مختلفة للربط بين الإسلام والتحرير النسائي. كما تكتسي طابعا سياسيا من حيث سعيها لتحسين وضع النساء القانوني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي. ويُنظر إلى الحركة النسائية الإسلامية، ولاسيما في أوروبا، كمفهوم متناقض، لكن المقالات المختلفة تبين وجود حركة نسائية مسلمة تعود جذورها إلى قرون سابقة رغم اختلاف صيغها. كما أسهمت هذه المقالات التي نُشر عدد كبير منها قبل خمس أو عشر سنوات إسهاما كبيرا في الحركة النسائية الإسلامية. وبذلك قدمت لنا زهراء علي والكاتبات، وهن ناشطات نسائيات مسلمات وشخصيات مهمة في الحركة على المستوى العالمي، نظرة شاملة مفصلة عن تاريخ الحركة النسائية الإسلامية وآثارها السياسية ونشاطها ونظريتها.

 

 


[1]  متدربة بمركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام.

[2]  علي (2012)، صفحة: 19.

[3]  صفحة 41.

[4]  صفحة 69-70.

[5]  صفحة 94.

[6]  صفحة 137-138.

[7]  صفحة 181.

 

 

نشر بتاريخ: 01 / 10 / 2014



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

"قد تتساءلون: من أكون حتى أجرؤ على مخاطبتكم على هذا النحو؟ أنا مسلمة رافضة، وذلك لا يعني أنني أرفض أن أكون مسلمة، إنني أرفض ببساطة الانضمام إلى جيش من الآلات المتحركة باسم الله" الصفحة 155. إرشاد منجي وجه آخر من أوغندا، تلقت تعليمها بداية في مدرسة مسيحية ثم التحقت بمدرسة دينية تقليدية إسلامية، مثلت لها هذه الأخيرة صدمة عنيفة قبالة المدرسة المسيحية المتسامحة، تساؤلاتها واحتجاجاتها كانا سببا في طردها من المدرسة، فكان لذلك وقع كبير عليها حتى كادت تخرج من دائرة الإيمان الإسلامي لولا مقاومتها، وشق الطريق للتعرف على الإسلام من وجهة نظر خاصة واجتهاد فردي.

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

تسليمة نسرين أو "امرأة غاضبة" كما سمّاها المؤلف، هي أول مثال ساقه المؤلف للنسوية الرافضة، وبكلمات تعبر عن طبيعة غضبها يفتتح الفصل الثاني الذي يمتد بين الصفحة 85 والصفحة 117.

" أستطيع أن أقول إنني منذ سن السادسة قد أدركت قسوة هذا العالم، هذا العالم الذي لا يوجد فيه شيء أعظم شقاء من أن يحيا إنسان ما حياة امرأة"[1].