قراءة في كتاب

المرأة والعمل. نبوية موسى
المرأة والعمل. نبوية موسى

 

نادية الشرقاوي

 

 

 

في كتاب من 188 صفحة تقدم المفكرة المصرية "نبوية موسى" (1886م/1951م) فكرة جديدة عن المجتمع المصري خاصة والعالم الإسلامي عامة، حيث خصصت كتابها للحديث عن موضوع مهم: "المرأة والعمل".

هذا الكتاب لأهميته أعيد طبعه عدة مرات آخرها طبعة 2011م، عن دار الكتاب المصري- القاهرة ودار الكتاب اللبناني-بيروت، حيث صدر ضمن فعاليات مشروع:"إعادة إصدار كتب التراث الإسلامي الحديث في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين/التاسع عشر والعشرين الميلاديين" تحت إشراف مجموعة من المفكرين نذكر منهم د. محمد عمارة ود. محمد كمال الدين إمام.

قدمت لهذه الطبعة منى أبو زيد، وبيّنت في متن هذا التقديم أهمية دور المرأة في معالجة قضية من أقدم القضايا التي عالجها الفكر العربي الحديث، ومن أكثر القضايا إثارة للجدل بين أنصارها، وهي قضية المرأة، إذ لم تقف المرأة في هذا الصراع موقف المتفرج بل اقتحمت الميدان مدافعة عن نفسها ومرشدة بنات جنسها إلى الطريق القويم، ولعل مؤلفة الكتاب "نبوية موسى" تجسد أهم نموذج على هذا الحضور وهذه المشاركة الفعالة، حيث " تعد "نبوية موسى" من أمهات النهضة النسائية، وأولى رائدات تعليم الفتيات في مصر الحديثة، كان التعليم بمثابة قضية عمرها التي كافحت في سبيلها على مدى مراحل حياتها المختلفة، ورأت في التعليم طريقا إلى تحقيق المساواة بين الجنسين، والسبيل للنهوض بالمرأة المصرية، وقد انعكس هذا على حياتها، فكانت أول فتاة مصرية تحصل على شهادة الباكالوريا، وسعت بعد استكمال تعليمها إلى العمل في مجال التربية والتعليم وأفنت حياتها في هذا العمل" (الصفحة 13-14).

ونبوية موسى الكاتبة والمفكرة والأديبة المصرية شكلت نموذجا فريدا لإرادة الفتاة المصرية القادرة على تغيير واقعها، ففي ظروف بالغة الصعوبة استطاعت أن تسهم في تغيير وضع الفتاة المصرية وفي تحريرها من قيود التخلف والظلم الذي أحاط المرأة قرونا، وبحصولها على شهادة الباكالوريا في أول سابقة من نوعها سنة 1907، نالت نجاحا وشهرة واسعة، وحينها بدأت بكتابة مقالات صحفية تتناول مواضيع اجتماعية وتعليمية، وألفت كتابا مدرسيا بعنوان:"ثمرة الحياة في تعليم الحياة"، وكان هذا الكتاب إسهاما من نبوية موسى في تطوير اللغة العربية، وفي سنة 1909 تولت منصب نظارة المدرسة المحمدية الابتدائية للبنات بالفيوم، وكانت أول ناظرة مصرية لمدرسة ابتدائية.

وتعتبر دعوة نبوية موسى الفتيات إلى العلم والعمل دعوة تجديدية تقدمية، حيث حاولت أن تبحث عن جذور هذا الطرح في التاريخ المصري والإسلامي لتبين أن هذه الدعوة ليست دخيلة على هذا المجتمع بل هي من محض ثقافته الأصيلة.

وفي عام 1920م نشرت نبوية موسى لأول مرة كتابها:"المرأة والعمل"، طالبت من خلاله بحق المرأة المطلق في العلم والعمل، وبمساواتها الكاملة مع الرجل، ومنذ ذلك الوقت شاركت في الحركة النسائية التي تزعمتها هدى شعراوي، ومثلت:"الاتحاد النسائي المصري" في مشاركاته خارج مصر.

في كتابها "المرأة والعمل" تقدم نبوية موسى سبع محاور أساسية، وهي:

المرأة وتقدم الأمم: وفيه تعرض المؤلفة وضع المرأة في جميع الأمم، وتربط بين تقدم الأمم أو تخلفها بوضع المرأة فيها، وتعطي أمثلة من تاريخ الأمم تبين فيه أن تقدم الأمم وازدهار الحضارة ارتبط دائما بالاهتمام بشأن المرأة، أما البلاد التي امتهنت فيها المرأة، فهي بلاد مستبدة ومستعبدة، فانعكس استبداد حكامها على رجالها، فاستعبدوا الرجال، فما وقع من ظلم من الرجل على المرأة هو نتيجة لما وقع من استعباد للرجال استبد بهم الأعداء فاستبدوا هم بنسائهم.

مقارنة المرأة العربية بالأوروبية قديما وحديثا: حيث تعقد مقارنة بين المرأة العربية والمرأة الأروبية قديما وحديثا، لترى هل التخلف الذي أصاب المرأة المسلمة هو قديم أم أمر مستجد.

السفور والحجاب: حيث ترفض احتجاب المرأة في المنزل، وترى أن في هذه الدعوة مخالفة صريحة لتعاليم الدين الإسلامي، والعادات الصحيحة، فإن الدين يدعو إلى الخروج في المناسبات الاجتماعية والدينية كأيام الجمع والاجتماع في الحج، وقد حث الإسلام على مثل هذه الاجتماعات كما حض على الاجتماع في الأعياد والمواسم لنفس الغرض.

مساواة المرأة بالرجل: حيث يعد هذا الأمر أول اتهام استند إليه من يمنع المرأة عن التعليم والعمل، لأنها لا تساوي الرجل عقلا أو ذكاء، ولا تصلح لما يصلح له الرجل، في مقابل أصحاب الرأي المخالف وهم دعاة تحرير المرأة الذين يرون أنه لا فرق بين المرأة والرجل في التكوين الفيسيولوجي والقدرة العقلية، وتنتقد المؤلفة من يدعي أن الفروق الجسدية بين المرأة والرجل تؤدي إلى فروق في المواهب العقلية بأدلة وحجج مختلفة، لتتوجه إلى المناداة بتوحيد التعليم بين الإناث والذكور، لكي يتساويا في المواهب العقلية، ولكي تتاح لهما معا فرصة العمل.

تعليم المرأة: اهتمت المؤلفة بتعليم الفتيات على شاكلة من سبقوها من دعاة تحرير المرأة كرفاعة طهطاوي الذي يعد أول من نادى بتعليم البنات في مصر الحديثة، وعبد الرحمن الكواكبي وقاسم أمين وملك حفني ناصف.

وترفض نبوية موسى اقتصار مناهج التدريس التي وضعت من أجل تعليم الفتيات على تعليمها القراءة والكتابة بجانب التدبير المنزلي وفنون التطرز، إذ في نظرها أن باستطاعة الفتاة أن تتلقى نفس العلوم التي يتلقاها الفتى بالإضافة إلى بعض المواد النسوية الأساسية.

عمل المرأة: لم يتقبل المجتمع المصري الدعوة إلى نزول المرأة إلى ميدان العمل في المدينة، وتعرض المؤلفة حجج المعارضين لعمل المرأة، وتقسم دوافعهم إلى دوافع دينية واقتصادية واجتماعية.

 

هذا هو كتاب نبوية موسى "المرأة والعمل" في سطور، يجسد مرحلة مهمة في حياة المرأة العربية، مرحلة تحولت فيها الحياة الاجتماعية من النمط التقليدي إلى النمط العصري، ويبقى السؤال المطروح، هل فعلا استطاعت المرأة مع خروجها لساحة العمل تحقيق ذاتها والحصول على حريتها في ظل قانون العمل لا يراعي وظيفتها البيولوجية، ويجعلها تخضع لإكراهات تضعها بين خيارين إما الأسرة أو العمل؟

 

 

نشر بتاريخ: 01 / 10 / 2014



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 5

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 4

"قد تتساءلون: من أكون حتى أجرؤ على مخاطبتكم على هذا النحو؟ أنا مسلمة رافضة، وذلك لا يعني أنني أرفض أن أكون مسلمة، إنني أرفض ببساطة الانضمام إلى جيش من الآلات المتحركة باسم الله" الصفحة 155. إرشاد منجي وجه آخر من أوغندا، تلقت تعليمها بداية في مدرسة مسيحية ثم التحقت بمدرسة دينية تقليدية إسلامية، مثلت لها هذه الأخيرة صدمة عنيفة قبالة المدرسة المسيحية المتسامحة، تساؤلاتها واحتجاجاتها كانا سببا في طردها من المدرسة، فكان لذلك وقع كبير عليها حتى كادت تخرج من دائرة الإيمان الإسلامي لولا مقاومتها، وشق الطريق للتعرف على الإسلام من وجهة نظر خاصة واجتهاد فردي.

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

خارج السرب: بحث في النسوية الإسلامية الرافضة وإغراءات الحرية. القسم 3

تسليمة نسرين أو "امرأة غاضبة" كما سمّاها المؤلف، هي أول مثال ساقه المؤلف للنسوية الرافضة، وبكلمات تعبر عن طبيعة غضبها يفتتح الفصل الثاني الذي يمتد بين الصفحة 85 والصفحة 117.

" أستطيع أن أقول إنني منذ سن السادسة قد أدركت قسوة هذا العالم، هذا العالم الذي لا يوجد فيه شيء أعظم شقاء من أن يحيا إنسان ما حياة امرأة"[1].