قراءة في كتاب

"الإسلام والأسرة: دراسة مقارنة في علم الاجتماع الأسري"

إلياس بوزغاية

 

 

 

الإسلام كديانة سماوية والأسرة كنواة اجتماعية تمت مقاربتهما في الكتاب قيد القراءة والتحليل. كتاب "الإسلام والأسرة: دراسة مقارنة في علم الاجتماع الأسري" لصاحبه حسين بستان (النجفي) ومترجمه علي الحاج حسن تم نشره ضمن سلسلة الدراسات الحضارية الصادرة عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي سنة 2008 بلبنان، وهو يقع في 384 صفحة. هذا الكتاب يقدم مقارنة بين الرؤية الإسلامية للأسرة والمقاربة السوسيولوجية لها في سياق التحولات والتحديات المعاصرة. وهو إذ يقوم بهذا، يشير إلى أنه بينما نلمس وضوحا في نظريات علم الاجتماع حول الأسرة، فإننا نجد نوعا من الغموض يكتنف الطرح الإسلامي في صياغة نظريات واضحة حول الأسرة، على الرغم من أن المقارنة تبدو غير موضوعية حيث إن علم الاجتماع وصفي والنصوص الدينية قيمية.

أدرجت مباحث هذا الكتاب ضمن خمسة فصول ناقش فيها الكاتب الزواج ونماذج العائلة في الفصل الأول، وتمحور الفصل الثاني حول وظائف العائلة من وجهة نظر علم الاجتماع والرؤية الإسلامية. أما الفصل الثالث فقد خصص لطرح موضوع التمييز بين الجنسين في العائلة، وقد تبعه فصل آخر عرض عوامل ثبات واستقرار العائلة في الإسلام ومن المنظور السوسيولوجي. في الأخير تطرق الكاتب إلى ظاهرة الطلاق مستندا على إحصائيات ودراسات مقارنة.

يتناول الكاتب في الفصل الأول موضوع الزواج وما يرتبط به من قضايا تجعله محل اهتمام العديد من علماء الاجتماع في سياق التحولات التي يعرفها لعالم. وإذا كان العديد من الباحثين يرون أن هناك مجتمعات ذات الاتجاه الجمعي وأخرى ذات الاتجاه الفرداني، فإن تبعات هذا التقسيم تجعل من الصعب إعطاء تعريف ووصف دقيق لما تعنيه الأسرة والعلاقات الاجتماعية التي تحكمها والعادات والتقاليد التي تنظمها. يصل الكاتب في الأخير إلى خلاصة مفادها أن الإسلام قد أعطى أهمية كبرى لمؤسسة الزواج والأسرة وتناول بعض جوانب تنظيمها، وهو ما أضعف الأفكار والنماذج الأخرى لهذه المؤسسة، لكنه بالمقابل ساهم في تقليص حجم المشاكل المترتبة عن التساهل والانحلال الذي تعرفه مجتمعات أخرى.

في حديثه عن وظائف الأسرة في الفصل الثاني، أشار الكاتب إلى أنه سيستخدم مصطلح "الوظائف" في معناه الإيجابي حسب الرؤية الإسلامية في تقاطعها مع علم الاجتماع، وبالتالي فهو يسجل أن وظائف الأسرة تشمل: الإنجاب، الرعاية والرقابة، التنشئة الاجتماعية، تنظيم السلوك الجنسي، العاطفة والصحبة، وتأمين المواقع الاجتماعية والحاجات الاقتصادية. يناقش الكاتب كل وظيفة على حدة ويعرض رأي الإسلام فيها ليستنتج في النهاية أن جميع الوظائف الاجتماعية للأسرة أمور مسلم بها في الفكر الإسلامي ولها مكانة معتبرة. لكن وفي خضم التحولات المعاصرة فإن النموذج المثالي للأسرة المسلمة يوضع على المحك بسبب التدافع بين القيم الأصيلة والقيم المستوردة، مما يجعل العديد من الباحثين في الغرب يدقون ناقوس الخطر ويحاولون الإجابة عن مستقبل الأسرة أمام نزايد التنوع في أشكالها وصعوبة ضبط سلوك أفرادها.  

من ضمن القيم التي تعرف تأرجحا وتصادما أحيانا داخل الأسرة هي قيمة السلطة وتوزيع الأدوار بين الجنسين. فهذا الأخير يؤثر على الحقوق والفرص والمداخيل والفوارق الموجودة بينهما. ولم يكن علم الاجتماع الوحيد الذي أبدى اهتماما بهذا الموضوع، فالحركات النسائية تجندت منذ بداية القرن العشرين لتحاول تغيير المجتمعات الأبوية على المستوى العلمي والعملي. الإشكالية التي تطرح بهذا الصدد تتعلق باتهام الفكر النسائي للعائلة بأنها سبب رئيسي في تكريس التمييز وعدم المساواة بين الجنسين لكونها تمنح الذكور امتيازات أكبر من الإناث، ولذلك تقترح عدة تفاسير ونظريات تدعوا لمراجعة الأدوار التقليدية التي دأبت عليها المجتمعات. وأهم هذه النظريات نظرية الجندر التي تناقش مدى طبيعية أو ثقافية الصفات والأدوار التي يقوم بها الذكر والأنثى في الأسرة، ومن تم إعادة تشكيل السلطة وتوزيعها بشكل عادل ومساو. وبمعرض الحديث عن موقف الإسلام من هذا يشير الكاتب إلى أن المسألة تعتمد بالأساس على النظام القيمي العام لللإسلام وهو ما يراعي العدالة المتضمنة للمصلحة والتي تقع في إطار تحقيق الأهداف الغائية من الوجود الإنساني، فمثلا رفض الإسلام لتشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء يدخل ضمن رؤية وظيفية للتمايز –وليس عدم المساواة- بين الجنسين من أجل تحقيق الاستخلاف في الأرض.

ينتقل الكاتب إلى الفصل الرابع للحديث عن ثبات العائلة واستقرارها فيقف على العوامل التي تشكل الأساس في بقاء واستمرار مؤسسة الأسرة ومن أهمها قداسة العلاقة الزوجية، التنشئة الاجتماعية المناسبة، الاستعداد والأهلية لتكوين أسرة، التقارب والتوافق بين الزوجين، التوافق والتراضي حول المسؤوليات الزوجية، الإنجاب، المودة والرحمة، الإيمان والتدين...إلخ. ويسجل الكاتب أنه سواء تعلق الأمر بالبعد الديني أو بالبعد الاجتماعي فإن الباحثين يؤكدون على أن الأسرة تعرف استقرارا وانسجاما أكبر في ظل الظروف المذكورة، وقد تم التطرق إلى هذا في إطار نظريات اجتماعية كالوظيفية ونظرية التبادل"exchange theory" (زيادة المصلحة وتقليل التكاليف) ونظرية العدالة "equity theory" (العدالة في قالب المساواة). وعلى العموم، فإن تقوية القيم الدينية فيما يخص الحفاظ على مؤسسة الأسرة يستمد مشروعيته من قوة الدوافع الداخلية التي تحسب المنفعة والضرر على أساس الثواب الدنيوي والأخروي معا.

ينهي الكاتب الكتاب بفصل عن الطلاق يتطرق فيه إلى مناقشة الظاهرة على المستوى الاجتماعي والقانوني والديني، وهو ما يتيح تشكيل صورة عن مدى ترابط هذه المستويات لتساهم في تزايد أو تراجع هذه الظاهرة. ويعترف الكاتب بأن ما يشهده العالم من مدنية وثورة صناعية وتحولات اجتماعية يساهم في تزايد وتعقيد هذه الظاهرة وآثارها. لكن يعود ليذكر بأن المجتمعات الإسلامية تدخل في إطار المجتمعات ذات التوجه الجمعي وهو ما يساعد على انحصار هذه الظاهرة خاصة أن الطلاق هو أبغض الحلال عند الله. وبالنظر إلى الإحصائيات التي ترصد واقع الطلاق، يعتبر الكاتب أن هناك أمورا واقعية مفروضة على كل المجتمعات، وبالتالي عليها أن تجد حلولا واقية لها عن طريق المداخل الثقافية والقانونية والدينية من أجل الانتقال من وصف العائلة الموجودة إلى تشكيل العائلة المطلوبة.

يعد كتاب "الإسلام والأسرة : دراسة مقارنة في علم الاجتماع الأسري"، محاولة جادة من أجل عقد مقارنة علمية بين مناهج علم الاجتماع وتصورات الدين الإسلامي حول الأسرة، وذلك بهدف لفت الانتباه إلى التقصير الحاصل في المقاربة الإسلامية من ناحية عدم توفرها على نظريات واضحة حول الأسرة، وإلى العجز الحاصل لدى العلوم الاجتماعيةفي إيجاد نموذج يحرص على تحقيق المقاصد الدينية والدنيوية لمؤسسة الأسرة. الكاتب حسين بستان (النجفي) ذو الأصول الإيرانية قدم صورة يغلب عليها التصور الشيعي للأسرة في الإسلام وهو ما أفقده القدرة على توسيع مراجعه من جهة وحصره في زاوية النظر المذهبية من جهة أخرى، لكن هذا لم يمنع من توفر ملامح الرؤية الإسلامية العامة حول ما يمكن أن يكون بديلا عن التخبط في المقاربات الاجتماعية والانحلال في القيم الثقافية. هذا مع ضرورة الوعي بأن الطريق مازال طويلا أمام الباحثين والمهتمين  من أجل رفع المستوى الديني والأخلاقي للمجتمعات بالموازاة مع تقديم إجابات فعلية عن التحديات المعاصرة.

 

نشر بتاريخ: 03 / 08 / 2014



 
2016-04-12 07:45فاطمة دلمة

تلخيص و تحليل جيد و موضوعي.بارك الله في فكركم و علمكم و نفع الله بكم أستاذنا...هل يمكن ان تدلنا على الكتاب أين نجده أو من أين يتم تحميله و جزاكم الله خيرا...باحثة في الأسرة

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قراءة في كتاب الحركات النسائية ما بعد الربيع العربي بشمال إفريقيا ج.2

قراءة في كتاب الحركات النسائية ما بعد الربيع العربي بشمال إفريقيا ج.2

يستمر كتاب "الحركات النسائية ما بعد الربيع العربي بشمال إفريقيا" في طرح العديد من المواضيع حول حقوق المرأة والحركات النسائية بعد ثورات الربيع العربي في كل بلد على حدة. ففي الفصل السابع تتناول الكاتب موحى الناجي المفارقة الحاصلة في الحراك الاجتماعي

قراءة في كتاب: الحركات النسائية ما بعد "الربيع العربي" بشمال إفريقيا ج.1

قراءة في كتاب: الحركات النسائية ما بعد "الربيع العربي" بشمال إفريقيا ج.1

يأتي كتاب الحركات النسائية ما بعد "الربيع العربي" بشمال إفريقيا الذي صدر باللغة الإنجليزية بعنوان women’s Movements in post-« Arab Spring »  North Africa في سياق تقييم حضور الحركات النسائية بعد 5 سنوات من اندلاع الحراك الاجتماعي المعروف ب"الربيع العربي". الكتاب الذي يتضمن 327 صفحة والصادر سنة 2016 عن دار النشر البريطانية Palgrave Macmilla، والذي قامت... 

الأسرة في مقاصد الشريعة قراءة في قضايا الزواج والطلاق في أمريكا (الجزء الأول)

الأسرة في مقاصد الشريعة
قراءة في قضايا الزواج والطلاق في أمريكا (الجزء الأول)

كتاب "الأسرة في مقاصد الشريعة قراءة في قضايا الزواج والطلاق في أمريكا" للدكتورة زينب العلواني، إضافة نوعية في مجال الدراسات الأسرية، تكمن ميزتها في استقصاء الدرس المقاصدي عند معالجة النصوص المتعلقة بالأسرة والاستهداء بالرؤية الشمولية للوحي، والتي تنظر إلى الأسرة من حيث هي لبنة من لبنات الأمة المستخلفة. فمن خلال التوجيه المقاصدي للأحكام المتعلقة بالأسرة، عالجت العلواني في هذا الكتاب كثيرا من القضايا الاجتماعية والمسائل الشرعية والفتاوى الفقهية ذات الصلة بالموضوع