المرأة والغرب

هل من سبيل إلى تضامن الناشطات النسائيات في الشرق والغرب؟
هل من سبيل إلى تضامن الناشطات النسائيات في الشرق والغرب؟

 

بشرى لغزالي

 

 

 

هل يمكن للناشطات النسائيات من مختلف الأقطار التضامن والعمل بشكل جماعي؟ هذا هو السؤال الذي حير سارة سالم التي تتساءل في مقالها المعنون "أنجيلا دافيس في مصر: عن التضامن النسائي"[1]، عن إمكانية خلق تضامن بين الحركات النسائية وكيفية تحقيق ذلك، في الوقت الذي هيمنت فيه النسوية الغربية على الساحة وجعلت مسألة تضامن مختلف هذه الحركات صعب المنال، ولاسيما أن هناك أمثلة كثيرة تدل على تمكن عدة ناشطات نسائيات من التضامن والعمل سوية. لذلك اختارت الكاتبة سارة أن تُقدم تجربة أنجيلا دافيس Angela Davis المناهضة للعنصرية والمعروفة بآرائها الاشتراكية، وهي من أشهر الناشطات النسائيات الأمريكيات ذات أصول إفريقية، محاولة فهم كيفية تفاعل هذه الناشطة النسائية مع نظيراتها المصريات، وموقفها منهن.

تنقل الكاتبة ما ورد في أحد فصول كتاب أنجيلا دافيس "النساء والثقافة والسياسة"، إذ تسرد كيف أنها وافقت على القيام برحلة بحثية إلى مصر لتوثيق تجربتها مع المصريات، دون أن تعرف حقيقة أغراض ممولي المشروع التي يسعون إلى تحقيقها، وهي التركيز على قضايا نسائية ذات بعد جنسي كقضية ختان الإناث. ونظرا لوعيها بمساعي الناشطات النسويات في الغرب لتنصيب أنفسهن لمناهضة ختان الإناث في الدول العربية والإفريقية بالنيابة عنهن -وكأن تحرير النساء مرتبط بتوقيف ختان الإناث-، أعادت أنجيلا النظر في مشاركتها في هذا المشروع. وهذا ما يجعل، في نظر الكاتبة، تضامن مختلف الحركات النسائية مستحيلا لأن النسوية الغربية لا تساوي نفسها بأولئك العربيات اللواتي تعتبرهن أقل شأنا منها وتجردهن من إنسانيتهن.

وترصد أنجيلا نقاط تشابه النساء المصريات والأمريكات من أصول إفريقية، حيث تصورهن الناشطات النسويات الغربيات كهمجيات وشهوانيات، وهو ما يثير غضب أولئك الأمريكيات. كما أشارت إلى أن الأمريكيات اللواتي يُظهرن اشمئزازا من ختان الإناث، لا يترددن في الخضوع لعمليات لتغيير أجسادهن لتوافق معايير الجمال الاجتماعية التي وضعها النظام الرأسمالي. وبالتالي رأت أنجيلا أن ختان الإناث أصبح قضية "النساء البيضاوات اللواتي يسعين لإنقاذ النساء السمراوات"، ورفضت أن تكون جزءا من ذلك.

وفي هذا الإطار، قابلت أنجيلا ناشطات نسائيات مصريات واستقت آراءهن وموقفهن من الناشطات النسويات الغربيات، مثل شهيدة الباز التي ترفض الإملاءات التي تصدر عن النسوية الغربية بخصوص قضايا تهم المصريات وتعنيهن بالدرجة الأولى.

وخلال سرد أنجيلا تجربتها مع الناشطات النسائيات المصريات، أرجعت مشاكل المرأة إلى الوضع الاقتصادي والفقر الذي لمسته جليا في مصر، وربطت أسبابه بسياسة الرئيس السادات الذي شرع الباب أمام الرأسمالية بدعوى تنمية اقتصاد مصر، إلا أنها أدت في الحقيقة إلى رفع نسبة البطالة والفقر والتشرد. كما ربطت العلاقات الجنسية بارتفاع نسبة الفقر ووضع الاقتصاد والليبرالية وتأثيرها على وضع الأسر والنساء، على خلاف باقي الناشطات النسويات الغربيات اللواتي زرن مصر وتحدثن عن القمع الجنسي وربطنه بالدين والثقافة. وفي نفس السياق، أفادت الناشطة النسائية المصرية الباز بأن معاناة المصريات زادت بعد نهج هذه السياسة الجديدة التي ربطت النظام الاقتصادي لمصر بالغرب، إذ أصبحت بلدا مستهلكا غير منتج، وربْط علاقات جديدة مع أمريكا وإسرائيل. وفي ظل هذا الوضع، يسْهل استعمال النساء كأداة جنسية في وسائل الإعلام.

وأكدت نساء مصريات قابلتهن أنجيلا بأن مواجهة اللامساواة الجنسية لن تحل المشاكل الاقتصادية والتبعية السياسية التي تؤثر سلبا على النساء والرجال، وأن التركيز على القضايا الجنسية يروم فصلها عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتداخلة وبناء ثقافة ذكورية مصرية يُنظر إليها بكونها متخلفة وهمجية. وتتفق دافس مع الناشطات المصريات في كون النظام الذكوري يقمع الرجل والمرأة معا، وهذا يعني أن هدف الحركة النسائية يتمثل في رفض النظام الذكوري وليس محاربة الرجال.

وختاما، اعتبرت كاتبة المقال سارة أن استعداد أنجيلا التام لتلقي معلومات من المعنيات بالأمر وعدم اعتماد ما يُقال عنهن في الغرب، جعلها تتعامل بمرونة مع عدة تجارب واجهتها. فزيارتها لمصر لم تكن تهدف إلى تقديم المساعدة أو ادعاء الإنقاذ، وإنما المعاينة واكتشاف حقيقة الوضع بنفسها. وتساءلت الكاتبة عن عدد الناشطات النسويات اللواتي جئن بنفس الخلفية إلى مصر. وعبرت عن إمكانية حدوث تضامن نسائي عابر للأوطان رغم صعوبته، شريطة التحلي بالتواضع والانفتاح ونقد الذات قبل الآخر والتجرد من الأفكار السابقة والاستعداد لتلقي معلومات جديدة.

تبين تجربة أنجيلا مع الناشطات النسائيات في مصر بأن التجرد من الأفكار المنتشرة عن نساء العالم الثالث، والاستعداد للتعرف على ذلك الآخر من جديد وتلقي المعلومة من مصدرها كفيل بالكشف عن نقاط مشتركة كثيرة بين نساء العالمين. وهذا يعكس أهمية النقد الذاتي وإعطاء فرصة للذات لمعرفة ذلك الآخر بعيدا عن ما يتم الترويج له في وسائل الإعلام والكتابات المنتشرة.


[1]   للاطلاع على المقال الأصلي: http://neocolonialthoughts.wordpress.com/2013/12/01/angela-davis-in-egypt-on-feminist-solidarity/

 

 

نشر بتاريخ: 02 / 06 / 2014



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خبيرة ألمانية في علوم القرآن:"كل من يقول أن الإسلام لا يواكب العصر فهو ذو عقل محدود

خبيرة ألمانية في علوم القرآن:"كل من يقول أن الإسلام لا يواكب العصر فهو ذو عقل محدود

ترى أنغليكا نويفرت الخبيرة في علوم القرآن أن ادعاء افتقار الإسلام إلى التنوير ما هو إلا صورة نمطية أوروبية قديمة غير قابلة للصمود أمام الحقائق التاريخية٬ مشيرًة إلى الصفات القرآنية "الجمالية والتقدمية الثورية" وإلى أن صميم القرآن يدعو إلى العلم والمعرفة. وتعتبر أن افتخار الغربيين بعصر التنوير الأوروبي هو ما يدفعهم باستمرار إلى اعتبار الثقافة الغربية متفوقة على الثقافة الإسلامية. 

"كرامة"، محاميات مسلمات من أجل حقوق الإنسان

"كرامة"، محاميات مسلمات من أجل حقوق الإنسان

تهتم عدة مؤسسات بحثية عبر العالم بالقضايا النسائية والإسلام عبر إصداراتها العلمية والأكاديمية وأنشطتها الفكرية. وتسعى في مجملها إلى إبراز صورة النساء في الإسلام، ولاسيما في ظل الصورة القاتمة التي يروجها الإعلام الغربي عن الإسلام والمسلمات، وتسليط الضوء على القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام مثل المساواة والكرامة... 

دة. أسماء المرابط "ضيفة خاصة" في ملتقى مجلس أوروبا

دة. أسماء المرابط "ضيفة خاصة" في ملتقى مجلس أوروبا

تحل دة. أسماء المرابط، رئيسة مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام، يومي 1 و2 شتنبر ضيفة خاصة على مجلس أوروبا الذي دعاها للمشاركة في ملتقى دولي عن البعد الديني للحوار الثقافي تنظمه لجنته الوزارية هذه السنة في باكو، عاصمة جمهورية أذربيجان، بعنوان...