المرأة والغرب

مناهضة الاستعمار المعرفي
مناهضة الاستعمار المعرفي

 

 

 

 

بشرى لغزالي


خُصص العدد 72 من مجلة Mouvements (حركات) لموضوع مناهضة الاستعمار المعرفي، حيث أشارت افتتاحية هذا العدد إلى أن الخطابات والمقاربات المناهضة للاستعمار تتنوع وتختلف باختلاف التجارب والأماكن والأوضاع السائدة خلال فترة الاستعمار وبعدها. وتتطلب مناهضة الاستعمار المعرفي تتبع برنامج معين وخوض نضال ضد أشكال الهيمنة الناتجة عن استعمارية السلطات والمعارف.

انبثقت الانتقادات المناهضة للاستعمار عن سياقات محددة وآفاق نظرية خاصة، وهذا ما تعكسه المساهمات المختلفة في هذا العدد التي جاءت من مختلف المشارب: التأريخ (آن لورا ستولير Ann Laura Stoler) والقانون الدولي (ريمي باشان Rémi Bachant) والأنثروبولوجيا (جوزيف تونداJoseph Tonda، نسيمة موجودNasima Moujoud) وعلم الاجتماع (الهواري عدي Lahouari Addi، ريكاردو بينيافييل Ricardo Peñafiel) والفلسفة (غادة إيفيكوفيك Rada Ivekovic، سلوى ليست بولبينةSeloua Luste Boulbina) والدراسات الثقافية (غريغوري ليGregory Lee) والدراسات النسائية (أسماء المرابط). يطالب بعض المشاركين في هذا العدد بإنجاز إجراءات مناهضة للاستعمار الفكري رغم غياب مدرسة ينتسب إليها هذا التيار الفكري المناهض للاستعمار (décolonial) أو لما بعد الاستعمار(Postcolonial) . بالإضافة إلى ذلك، لا يُعتبر تعديل مضمون خطاب لإزالة الصبغة الاستعمارية عليه أمرا كافيا، لذلك يتم انتقاد استغلال المعارف الذي يروم تحقيق غايات خاصة سواء في الجامعة أو المتاحف أو وسائل الإعلام.

من أجل مناهضة الاستعمار المعرفي بشكل فعلي، لا يكفي دائما الابتعاد عن الأشكال المهيمنة التي اتخذت طابعا رسميا في بناء المعارف. لذلك يجب إعادة النظر في المؤسسات العلمية والتعليمية وتلك المختصة بالبحث وإخضاعها للنقد.

يُفصح المضطهدون عن معارفهم من خلال حركات اجتماعية تخضع في الغرب لدراسات تُصاغ باللغات المهيمنة والتي تُشكل بدورها عائقا فكريا. وفي هذا السياق، تُستعمل مجموعة من المعارف كسلاح لإحكام الهيمنة، إذ يتطلب تعديلها عملا نقديا داخليا. وفي المقابل، تتم الاستهانة بمجموعة من المعارف نظرا لكون مواضيعها مختلفة أو صادرة عن جهة خارجية، وبدل أن يتم التعامل معها في إطار "الفكر الحر"، تُعتبر من "الإيديولوجيات غير المرحب بها". كما توجد معارف تساهم في استقلال البلدان مثل ما حدث مع الصين.

تتوارث الأجيال مجموعة من المعارف التي تتخذ طابعا استعماريا عندما تكون قادمة من الغرب نحو الجنوب. لذلك يواجه هذا النوع من الانتقال المعرفي مقاومة وعوائق عدة، كما حدث في إفريقيا الوسطى مع علم الأعراق (l’ethnologie) .

في هذا السياق، تُثار قضية المساواة عند الحديث عن الاستعمارية التي تحيل ضمنيا على الهرمية حسب معايير مختلفة (الأوروبي/غير الأوروبي؛ أبيض/"عبد"؛ مواطن/أجنبي؛ أنا/الآخر؛ مسيحي/مسلم؛ قروي/حضري). وترافق هذه الاستعمارية غياب المساواة على أرض الواقع على المستوى السياسي والاجتماعي.

لا أحد من المشاركين في هذا العدد يقترح قراءة شاملة للتاريخ الاستعماري المعاصر، وإنما يقوم البعض منهم بتحليل تاريخي وسوسيولوجي للهيمنة الاستعمارية الفكرية وتبعاتها، رغم أن الاستعمار جزء من التاريخ حيث تنوعت أشكال هيمنته التي تختلف باختلاف الأماكن والأهداف. وقد ظهرت الحركات النسائية المعاصرة التي يمكنها أن تتناول الآخر في موضوعاتها في غياب الفلسفة ورجال العلم الذين ولى عهد ازدهارهم.

كان النضال من أجل مناهضة الاستعمار يتم على المستوى السياسي من خلال مطالب سياسية. إلا أن الدراسات التي أعقبت الاستعمار سلكت طريقا فكريا لا تخدم فيه بشكل مباشر المطالب الاجتماعية. وبذلك فقد ساهمت هذه الدراسات في الإعلان عن مناهضة الاستعمار المعرفي الذي يعرف حاليا حراكا ملحوظا.

رابط المقال الأصلي:

http://www.mouvements.info/Decoloniser-les-savoirs.html

 

نشر بتاريخ: 2/6/2013



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خبيرة ألمانية في علوم القرآن:"كل من يقول أن الإسلام لا يواكب العصر فهو ذو عقل محدود

خبيرة ألمانية في علوم القرآن:"كل من يقول أن الإسلام لا يواكب العصر فهو ذو عقل محدود

ترى أنغليكا نويفرت الخبيرة في علوم القرآن أن ادعاء افتقار الإسلام إلى التنوير ما هو إلا صورة نمطية أوروبية قديمة غير قابلة للصمود أمام الحقائق التاريخية٬ مشيرًة إلى الصفات القرآنية "الجمالية والتقدمية الثورية" وإلى أن صميم القرآن يدعو إلى العلم والمعرفة. وتعتبر أن افتخار الغربيين بعصر التنوير الأوروبي هو ما يدفعهم باستمرار إلى اعتبار الثقافة الغربية متفوقة على الثقافة الإسلامية. 

"كرامة"، محاميات مسلمات من أجل حقوق الإنسان

"كرامة"، محاميات مسلمات من أجل حقوق الإنسان

تهتم عدة مؤسسات بحثية عبر العالم بالقضايا النسائية والإسلام عبر إصداراتها العلمية والأكاديمية وأنشطتها الفكرية. وتسعى في مجملها إلى إبراز صورة النساء في الإسلام، ولاسيما في ظل الصورة القاتمة التي يروجها الإعلام الغربي عن الإسلام والمسلمات، وتسليط الضوء على القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام مثل المساواة والكرامة... 

دة. أسماء المرابط "ضيفة خاصة" في ملتقى مجلس أوروبا

دة. أسماء المرابط "ضيفة خاصة" في ملتقى مجلس أوروبا

تحل دة. أسماء المرابط، رئيسة مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام، يومي 1 و2 شتنبر ضيفة خاصة على مجلس أوروبا الذي دعاها للمشاركة في ملتقى دولي عن البعد الديني للحوار الثقافي تنظمه لجنته الوزارية هذه السنة في باكو، عاصمة جمهورية أذربيجان، بعنوان...