رائدات

أم المؤمنين سودة بنت زمعة
أم المؤمنين سودة بنت زمعة

نادية الشرقاوي

 

من المسلمات الأوائل:

عبّرت النساء في ظل الإسلام عن ريادتهن وسبقهن في الأمور الحاسمة، فكان أول من دخل الإسلام امرأة، وأول شهيد في الإسلام امرأة، وأول من تحمل أذى المشركين وجاهد نصرة للإسلام كنَّ نساء، فكانت النساء حاضرات في الهجرة الأولى والثانية وفي البيعة وفي الغزوات...، ولنا في زوجات الرسول الكريم أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن القدوة والمثل الأعلى في الصورة الرائعة التي قدَّمها الإسلام عن المرأة الحرة المتميزة.

ونقف في هذه الورقة مع شخصية فريدة اختارها النبي عليه السلام أن تكون واحدة من زوجاته أمهات المؤمنين، وهي السيدة سودة بنت زمعة بن قيس من المسلمات الأوائل بمكة، أسلمت وأسلم معها زوجها السكران بن عمرو بن عبد شمس، بايعت النبي عليه السلام وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة بعد أن اشتد أذى المشركين بمن آمنوا برسالة الإسلام، وذاقت المصاعب والأهوال في رحلة الهجرة، فمن الصعب أن يترك الإنسان بلده وموطنه ويحتمل السفر والهجرة إلى مكان يجهله، وقد حفظ الله عز وجل في كتابه العزيز فضل هؤلاء المهاجرين نساء ورجالا لِما عانوه وتحملوه في سبيل إعلاء كلمة الحق ونصرة النبي الكريم، فقال جل علاه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ التوبة، الآية: 100.

وبعد عودة هذه الأسرة من الحبشة الى مكة زادت محنة السيدة سودة وحزنها بوفاة زوجها، وذاقت مرارة الترمل ومرارة الغربة، فقد كانت وحيدة مع أطفالها الستة، إذ لم تستطع اللجوء إلى أهلها وهم ما زالوا على الشرك، خشية أن يفتنوها عن دينها، لكن الله عز وجل جعل لها من ضيقها فرجا، ومن أمرها مخرجا، فها هي تصبح الزوجة الأولى لسيد الخلق بعد رحيل السيدة خديجة رضي الله عنها، فيكون نبي الله عليه السلام هو من سيتكفل بها وبأولادها حماية وصيانة لها من أن تفتتن في دينها بعد وفاة زوجها.

زواجها من النبي عليه السلام:

بعد رحيل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها التي تركت وفاتها أثرا كبيرا في نفس النبي عليه السلام، فبقي وحيدا وذاق الوحدة والوحشة، وصعب على الصحابة الكرام حاله عليه السلام، فجاءته الصحابية الجليلة خولة بنت حكيم السلمية، المرأة نفسها التي خطبت له السيدة خديجة، وهي رفيقة سودة بنت زمعة في الهجرة، فعرضت عليه الزواج من السيدة سودة، وهي حينئذ امرأة كبيرة من عمر السيدة خديجة، روى الإمام أحمد بسنده عن أبي سلمة ويحيى قالا: لمَّا هلكت خديجة جاءت خَوْلَة بنت حكيم امرأة عثمان بن مَظْعُون، فقالت: يا رسول الله! ألا تزوّج؟

قال: مَنْ ؟

قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً،

قال: فَمَنِ البِكْرُ؟

قالت: ابنة أحبّ خلق الله عزّ وجلَّ إليك، عائشة بنت أبي بكر،

قال: ومَنِ الثَّيّيبُ ؟

قالت: سَودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتّبعتك على ما تقول،

قال: فاذهبي، فاذكريهما عليَّ"[1] .

ورحبت السيدة سودة رضي الله عنها بهذه الخطبة المباركة، فكان زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم بمكة،  ثم هاجر بها إلى المدينة المنورة.

رواية الحديث:

روت أم المؤمنين سودة رضي الله عنها عن النبي عليه السلام أحاديث، ذكر شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء أنها خمسة أحاديث، يقول:" يروى لسودة خمسة أحاديث: منها في الصحيحين: حديث واحد عن البخاري"[2].

شخصيتها:

اكتشف فيها النبي الكريم حسن الخلق ورقة القلب، فقد اختارت الزواج برسول الله، ولكنها في ذات الوقت لم تنس أنها الأم التي ترعى أولادها، فخافت ألا توَّفي النبي حقه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يمنعك مني؟ قالت: والله يا رسول الله، ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إليّ، ولكن أُكَرِّمُكَ أن يضعوا هؤلاء عند رأسك بكرة وعشية، قال: فهل منعك شيء غير ذلك؟ قالت: لا والله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يَرْحَمُكِ اللَّهُ، إِنَّ خَيْرَ نِسَاءٍ رَكِبْنَ أَعْجَازَ الْإِبِلِ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى بَعْلٍ بِذَاتِ يَدٍ"[3].

جمعت إلى هذه الفضائل صفات الجود والكرم والسخاء، فقد كانت كثيرة الصدقة، قالت عنها السيدة عائشة رضي الله عنها: اجتمع أزواج النبي عنده ذات يوم، فقلن: يا رسول الله أيّنا أسرع بك لحاقاً؟ قال: أطولكن يداً، فأخذنا قصبة وزرعناها؟ فكانت زمعة أطول ذراعاً فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفنا بعد ذلك أن طول يدها كانت من الصدقة.

ولا يمكن في هذه السطور أن نقفز دون أن نذكر فضل أم المؤمنين سودة على باقي المسلمين، وخصوصا الضعاف منهم الذين لا يتحملون الازدحام في أداء الركن الخامس في الإسلام، حيث جلبت رخصة فيها كثير من التيسير على المسلم لأداء فريضة الحج، فالسنة أن يبيت الحجاج في مزدلفة حتى الفجر بعد النفرة من عرفات، ولكن النبي الكريم رخَّص لها أن تذهب قبل الفجر لترجم قبل الزحام ثم تذهب وتطوف طواف الإفاضة، فعن أم المؤمنين عائشة قالت: وددت أني استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة، فصليت الفجر بمنى قبل أن يأتي الناس، وكانت سودة امرأة ثقيلة ثبطة فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها فصلت الفجر بمنى، ورمت قبل أن يأتي الناس.[4]

وفاتها:

توفيت أم المؤمنين سودة بنت زمعة في آخر زمن خلافة عمر بن الخطاب، وقد ذكر الطبري في البداية والنهاية أنها توفيت في سنة أربع وخمسين.

هكذا طويت صفحة حياة امرأة مجاهدة ومضحية وقوية، صاحبة فضل على الأمة.

 

 

 

 


[1] الإمام أحمد بن حنبل، مسند عائشة أم المؤمنين.

[2] المجلد الثاني، الصفحة: 269.

[3] مسند الإمام أحمد، رقم الحديث 2807.

[4] سنن النسائي، كتاب مناسك الحج، رقم: 3049.

 

نشر بتاريخ: 24/12/2012



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

كنزة الأورَبية التازية 213هـ /828م

كنزة الأورَبية التازية 213هـ /828م

كانت ولا تزال المرأة هي ذاك الفاعل في الحل والترحال في الحراك والسكن، المرأة بكل دواليب الحياة تجدها الفاعلة، المؤثرة، الصانعة والعاملة، فهي له السند والسكن، العون والبصيرة، فالمرأة عبر التاريخ هي درة من درر المغرب الحبيب دولة وشعبا، سياسة وعلما، حكما ورشدا، سلسلة بتاء التأنيث أقرت عبر التاريخ وجعلت لها

عائشة –رضي الله تعالى عنها- أول امرأة مدافعة عن حقوق النساء –الجزء 2

عائشة –رضي الله تعالى عنها- أول امرأة مدافعة عن حقوق النساء –الجزء 2

قد يستغرب أحد في زماننا اليوم عمل المرأة عموما خارج البيت، وتوليتها المناصب على وجه الخصوص. بل قد يعتبره بدعة محدثة في الإسلام، ما أنزل الله تعالى بها من سلطان. لكن قبل التدليل على ذلك آخذ القارئ الكريم في جولة سريعة في رحاب القرآن، نتفيَّح منها ظلال عمل المرأة ومشروعيتها في الإسلام في سائر الأقوام الذين خلوا قبلنا.

سيدتنا عائشة رضي الله عنها أول امرأة مدافعة عن حقوق النساء –الجزء 1

سيدتنا عائشة رضي الله عنها أول امرأة مدافعة عن حقوق النساء –الجزء 1

الحمد لله الذي أعطى كل ذي حق حقه، والصلاة والسلام على أوفى خُلُقٍ ورِقّة، وعلى آله الأطهار وصحبه المتشبتين بالمحجة البيضاء، وعلى من اتبع طريقتهم إلى يوم اللقاء . وبعد، فإنه من الواجب على كل باحث في الفكر الإسلامي، أن يُظهر الحق بلسان العلم، ويجادل أهل الزيغ  بالتي هي أحسن، ويبتهل أي الفريقين أهدى سبيلا فَيَتَّبِع!.