جديد

زهرة علي، "الحركات النسائية الإسلامية"
زهرة علي، "الحركات النسائية الإسلامية"

داميين سيمونان

ترجمة: بشرى لغزالي

 

"باعتباري مسلمة أمارس شعائري الدينية وناشطة نسائية مقتنعة تمام الاقتناع بموقفي، أريد من كل الذين ينكرون إمكانية وجودي أن يبدؤوا بالتساؤل عن السبب الذي يجعلهم يرون من البديهي أن يكون "الإسلام دينا ذكوريا" ؟ من أين لهم بهذا اليقين بأن الإسلام، أكثر من أي دين آخر، يعكس معاني اللامساواة والقمع تجاه النساء؟"[1]. تطرح زهرة علي، من موقعها كناشطة نسائية مسلمة تُعتبر في الغالب حاملة لمجموعة من التناقضات، مجموعة من التساؤلات من قبيل التصورات المرتبطة بالإسلام والنظام الذكوري واستخدام الحركة النسائية والعلمانية في الغرب، وذلك في كتاب "الحركات النسائية الإسلامية"، وهو مُؤلَف جَمَع كتابات نسائية نُشرت خلال سنوات 2000 باللغات الإنجليزية والعربية والفرنسية لباحثات ومناضلات ومناصرات للحركة النسائية ومسلمات من مصر وماليزيا والولايات المتحدة وإيران والمغرب.

يُضاف هذا الكتاب إلى قائمة المنشورات الفرنكوفونية المعدودة في الساحة الثقافية، حيث يتناول هذه الحركة النظرية والسياسية (ولاسيما أشغال إحدى الندوات[2] وعددين خاصين لمجلتين[3])، والأشغال المنجزة إلى وقت قريب عن العلاقة بين الحركة النسائية والعنصرية والحركة الاستعمارية (في الحركة النسائية السوداء[4] بخصوص "قضية دومينيك ستروس كاهن"[5] أو مثلا القومية المثلية[6]). ويدفعنا الكتاب من خلال مجموعة من المساهمات (مقالات وحوارات، وُضعت في سياق ومنظور معين، تتضمن مقدمة وخاتمة) إلى إلقاء نظرة على تاريخ الحركات النسائية الإسلامية وطرقها المتبعة وتنظيمها والرهانات المطروحة والنقاشات الدائرة حولها، مبرزا بذلك ما يوحد الحركة وكذا التنوع الذي يطبعها.

منذ فترة الوحي القرآني، طرحت النساء مجموعة من التساؤلات وعبرن عن احتجاجهن بخصوص مكانتهن في المجتمعات الإسلامية، بيد أن هذه الانتقادات وهذا التحليل لم يتخذ شكل حركة إلا حديثا. وفي هذا السياق، تُفرق زهرة علي بين ثلاث فترات، حيث تبدأ الفترة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر الذي شهد حركة ثقافية إصلاحية إسلامية من خلال "موقف وطني مناهض للاستعمار". ثم تلتها في سنوات السبعينيات "خطابات كانت تسعى لتعزيز الحداثة الإسلامية من خلال مجموعة من المطالب التي اتخذت طابعا نسائيا"؛ أما الفترة الثالثة فقد ظهرت في التسعينيات عبر "الانتقال من خطاب نسائي يدافع عن الإسلام إلى خطاب نسائي من داخل الإسلام". ومنذ بداية سنوات 2000، شكلت الحركات النسائية الإسلامية "حركة متعددة القوميات" (نموذج: مليكة حامدي)، و"حركة عالمية" (نموذج: مارغو بدران).

اجتمعت هذه الحركات حول "مُنطلق أساسي يتمثل في ضرورة إنهاء الاستعمار وإعادة النظر في كل قراءة للحركة النسائية والإسلام" (زهرة علي). وتُعرف مارغو بدران على سبيل المثال الحركات النسائية الإسلامية باعتبارها "خطابا وممارسة نسائية تتحرك داخل نموذج إسلامي". لكن الحركات النسائية الإسلامية تمثل أيضا هويات واستراتيجيات جماعية (مليكة حامدي)، وخلافات بشأن ما يمكن أن يشكل عدالة النوع والمساواة في الحقوق، ومواقف محلية متنوعة ومتحركة (زيبا مير حسيني). وقد نتجت هذه الحركات عن البيئة المختلفة المحيطة بها: دول ذات أغلبية مسلمة، الأقليات المسلمة، ومجتمعات اعتنقت الإسلام في الغرب.

يمَكننا هذا الكتاب من التعرف على وضع الحركة في كل من ماليزيا وإيران من خلال مساهمات زينة أنور وزيبا مير حسيني. في هذا السياق، تجمع الجمهورية الإسلامية بين الديمقراطية والتيوقراطية، وتحث على "علمنة" و"تحديث" المجتمع، إذ بدأت تواجه "تحديين أساسيين" منذ اندلاع ثورة 1979 يتمثلان في "المطالب المتعلقة بالديمقراطية وحقوق المرأة". ويُعتبر هذان التحديان "دافعا قويا لتحويل الجمهورية الإسلامية من الداخل". وقد دفع ظهور ناشطات مسلمات في الحركة النسائية إلى "فتح الحوار بين التراث القانوني الإسلامي والحركة النسائية"، وساهم في ظهور توتر بين القومية ومناهضة الاستعمار من جهة، والعلمانية و"الحداثة" من جهة أخرى، بالنسبة للنساء اللواتي "كان لزاما عليهن الاختيار بين هويتهن الإسلامية-إيمانهن- ووعيهن الجديد بمسألة النوع".

يكشف لنا الكتاب أيضا عن مختلف الرهانات والطرائق التي تتبعها الحركات النسائية الإسلامية، حيث بدأ بالتأريخ مع أميمة أبو بكر من خلال "إحياء التاريخ المنسي لمسلمات معاصرات". وحسب أسماء المرابط، فإن إقصاء النساء في تاريخ الحضارة الإسلامية تزايد مع وجود تفاوت بين القرآن وتفاسيره الفقهية والتراثية، مما أدى إلى تعزيز هذه التفاسير الذكورية. وعرف هذا الإقصاء النسائي أوجَهُ مع مجيء الاستعمار، حيث حوصرت النساء بين خطاب استعماري (دور الحضارة في فك القيود الدينية الجائرة) وخطاب آخر قومي وتقليدي (آخر معقل للهوية الإسلامية المحاصرة).

رافق تأريخ مكانة النساء تفسيرٌ نسائي للنصوص الإسلامية يمزج بين الاجتهاد (وضع الإسلام في سياقه) والتفسير (تفسير القرآن) واستخدام أدوات العلوم الإنسانية والاجتماعية. يتعلق الأمر بالتمييز بين الآيات ذات معنى عالمي أو ظرفي، بين الشريعة والفقه، وتقديم مقاربة نقدية، أو بالأحرى إصلاح جدري للتفسير والفقه. يرتكز التفسير إذن على التراث القانوني الإسلامي، الذي يميز بين الشريعة والفقه، وعلى المبدأ التفسيري الذي يقضي بتعدد معاني النص، والتيار الفكري المعرفي النسائي (أسماء بارلاس) أو على نظرية التناص النقدية لجوليا كريستيفا (أميمة أبو بكر).

وختاما، يجب أن يسمح التفسير بنقد "القمع الجنسي-النصي"، أي التوجه نحو الرغبة في إيجاد أصل اللامساواة والقمع والنظام الذكوري في القرآن (أسماء بارلاس).

تضم إذن إعادة القراءة النسائية الدفاع عن مبادئ المساواة والعدل داخل النصوص الإسلامية وعن طريقها: "يؤكد القرآن على مبدأ المساواة بين الناس، كما أن الأفكار (الإيديولوجية) والممارسات الذكورية هي التي منعت أو قلبت موازين هذه المساواة بين الرجال والنساء" (مارغو بدران). بالإضافة إلى ذلك، يقترح هؤلاء النساء استعمالا نسائيا للنصوص: "مبحثا للعلوم القرآنية يُخالف النظام الذكوري، إذ يقدم القرآن دلائل واضحة تعارض النظام الذكوري والتمييز، ويعتمد رؤية تنادي بالأساس بالمساواة". (أسماء بارلاس).

تندرج هذه الحركة في إطار ممارسات تهدف إلى تعديل الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمسلمات: بمراجعة قوانين الأحوال الشخصية المستوحاة من "الشريعة الإسلامية"، وإعلام المسلمات بحقوقهن وتدريبهن، وحشد متعدد القوميات لنشر هذا الفكر النقدي، والتحدث مع حركات أخرى اجتماعية أو سياسية. وتتساءل مثلا أميمة أبو بكر عن مشاركة النساء في "الربيع" العربي في مصر وآثار التحولات التي أعقبت الثورة بالنسبة إليهن. كما تقدم حنان اللحام تجربة تعليمية بديلة ترتكز على روح النقد وذلك في مدرسة ابتدائية في سوريا. وتبين سعيدة قادةSaida Kada  من خلال مسارها النضالي التداخل بين كل من التنديد "بالضواحي" والتاريخ الاستعماري، وبين النضال النسائي والنضال المناهض للعنصرية.

تنبني الانتقادات التي تعبر عنها الحركات النسائية الإسلامية على إنتاج العلوم ونشرها، ولاسيما "استعادة النساء العلم والسلطة الدينية من أجل النساء". وترتبط هذه الانتقادات بالإسلام عبر رفض تفسيره تفسيرا ذكوريا، وبالحركة النسائية من خلال رفض "هيمنة النموذج الغربي الاستعماري والاستعماري الجديد الذي فُرض باعتباره الطريق الوحيد نحو التحرر والتحرير"، الذي يدعو خصوصا إلى "الابتعاد عن كل ما يتعلق بالدين". (زهرة علي). كما نجد انتقادات تم التعبير عنها "كتحدٍ": "تطالب النساء المسلمات بأن تكُون موضوعا لتاريخهن إلى جانب نساء أخريات تشتركن معهن في نضالات مشابهة"، مع الدعوة أيضا إلى "تطوير هذا التحالف النسائي مع احترام الاستراتيجيات المختلفة للتحرير" (مليكة حاميدي).

يسعى هذا الكتاب إلى تحقيق مجموعة من الغايات من أبرزها تقديم حركة نظرية وسياسية تقترح طرقا أخرى للتفكير في العلاقات بين الإسلام والتحرر، إذ يبدو أن الحركة النسائية تُستعمل بغرض انتقاد الإسلام في سياق تختلط فيه مجموعة من الخطابات والأحداث، وتُقدم فيه المُسْلمات بالتناوب بصفتهن "ضحايا" (نساء) أو مذنبات (مسلمات). كما يساهم أيضا الدفاع عن "العلمانية" وتعريف "الهوية الوطنية" في إقصاء النساء المرتديات لغطاء الرأس[7] والتنديد "بالصبيان العرب"[8]، وتعريف "العدو الداخلي"[9]، وتعزيز السيطرة على الهجرة[10]، وتعليل الحروب الإمبريالية[11]. لذلك تراهن إذن الحركات النسائية الإسلامية، كما تُصرح بذلك زهرة علي، من خلال انتقاداتها والتحدي الذي تطرحه، على إبراز إمكانية فرض ناشطات في الحركة النسائية الإسلامية وجودهن.

وختاما، لا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب الجماعي يضم ثلاثة أجزاء، حيث افتُتح بمقدمة من توقيع زهرة علي. وساهمت كل من مارغو بدران وأسماء المرابط وأسماء بارلاس بورقة في الجزء الأول؛ أما الجزء الثاني فقد شاركت فيه كل من مليكة حامدي وزيبا مير حسيني وزينة أنور وأميمة أبو بكر؛ في حين أن سعيدة قادة وحنان اللحام ساهمتا في إنجاز الجزء الثالث./

من أجل الاطلاع على المقال الأصلي وفهرسة الكتاب، المرجو دخول المواقع الإلكترونية التالية:http://lectures.revues.org/9964، http://www.lafabrique.fr/spip/IMG/pdf_Feminismes_islamiquesEXTRAIT.pdf


[1]  زهرة علي، Je suis musulmane et féministe, ne soyez pas surpris ! " 10 نونبر 2012 (http://leplus.nouvelobs.com/contribution/649493-je-suis-musulmane-et-feministe-ne-soyez-pas-surpris.html)

[2]  مجموعة، " Existe-t-il un féminisme musulman ?"، باريس، لارماتان، مجموعة "الإسلام والعلمانية"، 2007.

[3] ملفات من إعداد ستيفان لات عبد الله: "الحركات النسائية الإسلامية" في العدد 128 من مجلة "des mondes musulmans et de la Méditerranée"، دجنبر 2010، و"الحركة النسائية الإسلامية اليوم" في العدد 46 من مجلة "Critique internationale، 2010.

[4]  إلسا دورلين، Black feminism. Anthologie du féminisme africain-américain، 1975-2000، باريس، لهارماتان، 2008.

[5]  كريستين ديلفي، Un troussage de domestique، باريس، سيليبسيس، 2011.

[6]  جاسبير بوار( Jasbir K. Puar)، Homonationalisme،. Politiques queers après le 11 septembre،باريس، أمستردام، 2012.

[7] إسمهان شودر ومليكة لاتريش وبيير تيفانيين، Les filles voilées parlent، باريس، لا فابريك، 2008.

[8] نصيرة كنيف سويلاماس وإريك ماسي، les féministes et le garçon arabe، باريس، دار النشر لوب، 2004.

[9]ماتيو ريغوست، l’ennemi intérieur. La généalogie coloniale et militaire de l’ordre sécuritaire dans la France contemporaine، باريس، لاديكوفيرت، 2011.

[10]عبد العلي حجات، Les frontière de l’identité nationale. L’injonction à l’assimilation en France métropolitaine et coloniale، باريس، لاديكوفيرت،2012.

[11] فيليكس بوكيو إيوانجي إبي، ستيلا ماكلياني بلقاسم، les féministes blanches et l’empire باريس، لافابريك، 2012.

 

نشر بتاريخ: 24/12/2012



 
2013-07-28 17:17Free dating sites

Hi, I have got to declare, I really like your website. The colours, the structure, the entire design, they all get correctly together. Anyway, that is all I really needed to declare.

 
2013-05-13 07:44Aso Ali

السلام عليكم و رحمة الله
اخوانى واخواتى انا اريد هذه الكتب وهذه المقالات واريد ان احصل عليهل بشك وورد او بشكل بي دي ئيف رجاءا ارسلونى

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

اصدار جديد يضم حكايات مختلفة حول مفهوم القوامة والولاية في الواقع المعيش

اصدار جديد يضم حكايات مختلفة حول مفهوم القوامة والولاية في الواقع المعيش

صدر حديثا عن مركز "مساواة" العالمية مؤلف جماعي في غاية الأهمية في موضوع "القوامة والولاية في الواقع المعيش"، من خلال معاينة مجموعة من التجارب الإنسانية عاشتها نساء من بلدان مختلفة، جاء تقديمها في شكل حكايات مختلفة حسب الواقع الاجتماعي والاقتصادي والفكري لكل بلد.

كتاب: "سجن النسوية. نحو فكر إسلامي مناهض للاستعمار"

كتاب: "سجن النسوية. نحو فكر إسلامي مناهض للاستعمار"

بمقر المؤسسة الأوربية العربية بغرناطة، يوم الأربعاء 30 نونبر 2016، قدمت العالمة السياسية و المتخصصة في اللغة و الثقافة العربية سيرين ادلبي السباعي، آخر مؤلفاتها باللغة الإسبانية "La cárcel del feminismo. Hacia un pensamiento Islámico decolonial" وترجمته: "سجن النسوية. نحو فكر إسلامي مناهض للاستعمار ". 

صدور كتاب جديد للدكتورة أسماء المرابط « Croyantes et féministes, un autre regard sur les religions»

صدور كتاب جديد للدكتورة أسماء المرابط  « Croyantes et féministes, un autre regard sur les religions»

صدر مؤخرا كتاب جديد للدكتورة أسماء المرابط بعنوان "مؤمنات ونسائيات: رؤية أخرى للأديان" (Croyantes et féministes : un autre regard sur les religions) عن دار النشر « La Croisée des chemins » سنة 2016. الكتاب الذي يتكون من 124 صفحة (الحجم المتوسط) يعتبر من الأعمال التي تساهم في تشكيل وعي جديد بالمعرفة الدينية من طرف نساء مسلمات وفي نفس الوقت نقدا للحركة النسوية الغربية المهيمنة عن طريق التحدث بلسان الدول المستعمرة سابقا ذات الخصوصية الثقافية.