محاضرات

المساواة: بين الموروث والواقع المعيش
المساواة: بين الموروث والواقع المعيش

د. أسماء المرابط

ترجمة: بشرى لغزالي

 

 

المقدمة:

لا شك أن ظروف النساء قد تحسنت على المستوى العالمي بشكل ملحوظ خلال القرن العشرين، واستطاعت الدول التي راهنت على سياسة حقيقية لتعزيز حقوق النساء أن تضمن توازنا أكبر ونموا أكثر لمجتمعاتها من خلال إعطاء الحق في التعليم والمشاركة السياسية وتحديد النسل.

رغم استمرار بعض المعطيات السلبية وإعادة ظهور مؤشرات مقلقة داخل المجتمعات الغربية الأكثر تقدما، يبقى من البديهي أن هذه المجتمعات قد أصبحت على وعي بمعطى أساسي أسماه البعض "باللحظة المهمة" في ثورة الحداثة، إذ يتمثل هذا المعطى في كون المساواة بين الجنسين هي المشكلة السياسية الأساسية[1]. إلا أنه من المهم بمكان أن نشير إلى الوضع الذي ما تزال تعيشه النساء عبر العالم من أضرار جسيمة وتجاوزات تنال من كرامتهن الإنسانية على اختلاف خصوصياتهن التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. وتبقى المساواة، ذلك المبدأ المؤسس للأنظمة السياسية العالمية، من بين أكثر الوعود التي رافقت الحداثة دون أن يتم الالتزام بها.

 

العنف ضد النساء: عنف عالمي مستمر

في الواقع، تتعرض النساء عبر العالم لما نسميه حاليا "بالعنف العالمي والمستمر" الذي ظهرت محاولات لربطه منذ مدة طويلة بالخصوصية الثقافية المحلية والأصلية، سواء كان ذلك بشكل مقصود أو غير مقصود.

إذا كان أكثر من نصف الإنسانية، رجالا ونساء، ترزح تحت وطأة المعاناة جراء الحروب والعنف والجوع وغيرها من الآفات، فإن كونها أنثى هو ما يزيد من حدة معاناتها. وبإلقاء نظرة سريعة على العالم، سيتبين أن واقع ووضع النساء غير محمود وأنهن يشكلن رهانا كبيرا في جميع النزاعات المعاصرة لمجرد كونهن نساء.

في آسيا، نتج عن تفضيل الأطفال الذكور على الإناث اللجوء إلى إجهاض الجنين ما إن يتبين أنه أُنثى، وهو ما أدى إلى إحصاء ما لا يقل عن 90 مليون امرأة تم التخلص منها لتُحرم من حقها في الحياة. ويُمكننا أن نتساءل عن النتائج الاقتصادية والإنسانية لهذا الخلل الديمغرافي الخطير في هذه المنطقة من العالم. أما في إفريقيا، فإن تأنيث "السيدا" هو من بين الأمثلة التي تشير إلى وهن النساء الذي يرجع بالأساس إلى التمييز الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي يُواجهنه في مجتمعاتهن. وفي هذا السياق، لا يُمكننا أن نتجاوز مسألة الاتجار بالنساء في العالم ولاسيما النساء البيض في قلب أوروبا، حيث نجد أن 500.000 امرأة قد نُقلت صوب الاتحاد الأوروبي في سنة 2002. وفي هذا الصدد، أظهرت دراسة حديثة أن الاتجار بالأشخاص يُدر من 5 إلى 7 مليار دولار في السنة وأن الاتجار بالنساء يعرف تزايدا كبيرا[2].

ومن المؤسف اليوم أن تتعرض قضية استغلال النساء للتمويه عبر استعمال خطاب جديد يفضل الحديث عن "عاملات الجنس". وهذا النوع من الحديث يعكس قبول مسألة أن تكون النساء منتجا تجاريا. فباسم الحداثة والحرية الجنسية تتم إشاعة رؤية قديمة وغير متكافئة، في المقام الأول، عن طبيعة الإنسان الجنسية، في حين أن الاتجار بالبشر ونظام  الدعارة يمثلان في الواقع أحد ركائز اللامساواة الجنسية بين النساء والرجال، كما يرمزان لإلغاء إنسانية النساء ورفضهن وحجبهن وكذا استغلالهن جنسيا[3]. وهنا يجب مُساءلة المؤسسة الاقتصادية والسياسية للاتحاد الأوروبي التي أدرجت المساواة بين الجنسين كمبدإ أساسي، والتي تستمر في تجاهل هذه القضية بشكل متناقض.

أما في أمريكا الوسطى، فقد تكررت حالات قتل النساء إلى درجة اختراع مصطلح جديد يتمثل في "إبادة النساء"(Féminicide)، إذ تُعتبر النساء أولى ضحايا المجتمعات التي أنهكها الفساد والفقر. ومن جهة أخرى، تخضع النساء في العالم الإسلامي وفي بلدان مختلفة على المستوى الثقافي مثل باكستان أو الأردن، لوصاية الرجل القانونية نتيجة القراءة الخاطئة للإسلام. وتبقى النساء المسلمات ضحايا وضع قانوني هش،  كما يتعرضن - على غرار نساء أُخريات في العالم- للتمييز بشكل يومي من خلال الجرائم التي تُرتكب باسم الشرف والزواج بالإكراه والرجم وإنكار الحقوق على اختلافها.

إن هذه الانتهاكات من تمييز وعنف لا يمكن تبريرها برؤية ثقافية طائفية أو قراءة دينية بعينها أو تقاليد قديمة بالية لإلحاق الضرر بالنساء وبكرامتهن الإنسانية.. فهذا لا يدخل دون أدنى شك في إطار احترام الاختلاف القائم... إذ بإمكاننا تعزيز وحماية التنوع الثقافي الذي يُثري العالم دون المساس بحقوق الإنسان الأساسية.

 

نساء الشمال ونساء الجنوب: الكيل بمكيالين

هل يجب أن تراعي دراسات بعض مناصرات الحركة النسائية في الشمال أن إبقاء المسلمات في وضع دوني لا يجب أن يكون على حساب ثقافة دينية غير متكافئة بنيويا ؟ لا بد من دراسة وتحليل وضع الاستغلال الذي تعاني منه المسلمات -كما هو واقع حال نساء أخريات عبر العالم- بسبب ثقافة عالمية سائدة تحتقر النساء باسم قراءة معينة خضع لها الإسلام.

وإذا أخذنا على سبيل المثال انتشار الظاهرة العالمية المتمثلة في العنف ضد النساء ولاسيما داخل البلدان الأوروبية، في إسبانيا وفرنسا على وجه التحديد، لا يسعنا إلا أن نندهش أمام التعاليق التي تختلف باختلاف الإطار الثقافي والجغرافي للبلد المعني. فرغم أن العنف يطال جميع نساء العالم دون فرق–على اختلاف سياقهن الجغرافي والثقافي ووضعهن الاجتماعي- فإن المبررات تختلف من بلد لآخر، إذ يتم تعليل العنف في دول الجنوب بتقديم أسباب ثقافية أو دينية، أما في دول الشمال، فيتم إرجاع ذلك لأسباب نفسية وفردية[4]. يفضح هذا المثال تلك الصورة "المتعصبة" التي يتم بها تصور العنف ضد النساء والتي تجسد نوعا من السلوك "المقصود"، وينم أيضا عن الكثير من حيث المنطق "المتحضر" وبالتالي "الاستعماري الجديد" الذي يتخلل ذلك الموقف.

نحن هنا في قلب إشكالية تتمثل في هيمنة إيديولوجية نسائية غربية نسبت إلى نفسها صفة "العالمية" انطلاقا من تجربتها وسياقها الخاصين بها. هذه الحركة النسائية، التي تصف نفسها "بالطلائعية" وبأنها وحدها المستنيرة، تدعي أن لها الحق في تحديد تعريف لقمع النساء ومدى مشروعية نضال بعض الحركات النسائية، كما أنها تحتقر حركات أخرى وتنظر إليها بنوع من التسلط والتكبر لكونها نابعة من ثقافات تعتبرها أقل تحضرا.

كما تدعي هذه الإيديولوجية الغربية أنها تدافع عن حسن نية عن أولئك الذين لم يستكملوا بعد نضجهم، وعن أولئك الذين لا يملكون القدرة على تصور سعادتهم الشخصية، مع أنها تُدينهم وتملي عليهم في نفس الوقت مجموعة من الخيارات من أجل التحرر لا تتلاءم مع سياقهم ولا مع خياراتهم السياسية.

لكن هذه الحركة النسائية المهيمنة ارتكبت خطأ فادحا يتمثل في تقديم تجربة النساء البيض والغربيات باعتبارها معيارا عالميا لقمع النساء. إنها رؤية تُضمر الإمبريالية والعنصرية وتعتبر نساء الجنوب، ولاسيما المسلمات منهن، "موضوع دراسة وتحليل" ولا تراهن أبدا أفرادا فاعلين في تاريخهن.

نجد في الواقع مبالغة حقيقية في التقييم الذي تُعده بعض الحركات النسائية الغربية وبعض حركاتها النضالية بخصوص النساء المنحدرات من أصول أخرى وكذا نضالهن، كما لو أن نضال نساء الجنوب وأشكال مقاومتهن على اختلافهما غير مجدية أمام نضال النساء في الغرب الذي يُمثل المعيار ويتصف تبعا لذلك بالعالمية المطلوبة. وفي هذا السياق، نددت كريستين ديلفي بهذا الخطاب معتبرة إياه خطابا "عنصريا" ينبع من لاوعي عنصري يُعتبر في حد ذاته إرثا ترسب عن التاريخ الاستعماري يتسم بالعنصرية.

لقد قامت بعض المناصرات للحركة النسائية في الجنوب على غرار الهندية شاندرا موهانتي بتحليل كيفية تصور بعض الخطابات النسائية الغربية والجامعية لنساء الجنوب باعتبارهن "وسيلة لتعزيز مكانتهن": فالمرأة في دول الجنوب جاهلة وفقيرة ومتخلفة تفتقر للتعليم وضحية أزلية... في حين أن نساء الغرب تُقدمن أنفسهن ضمنيا كنساء متعلمات وعصريات قادرات على التحكم في جسدهن وميولهن الجنسي، كما تملكن حرية اتخاذ قراراتهن بأنفسهن[5].

إن إلقاء اللوم على ثقافة الآخر أو دينه ينبع من كونهما السبب الكامن وراء سوء التصرف، والانطلاق من هذه الرؤية التي ننظر بها للآخر بشكل "مختلف" يهدف إلى إضفاء الشرعية على تلك المعاملة المختلفة التي يتلقاها، فيُقال أن النساء الغربيات –النساء البيض- فاعلات تتمتعن بالاستقلالية، أما نساء الجنوب أو السمراوات فهن دائما جزء من جماعة ثقافية معينة[6].

 

الحركة النسائية لما بعد الاستعمار والحركة النسائية الإسلامية

أدى التداخل بين العرق والثقافة منذ بضع سنوات إلى ظهور مجموعة متباينة داخل حركات نسائية في دول الجنوب وحركات نضالية اجتماعية تسمى "بالحركة النسائية لما بعد الاستعمار[7]". وتضم هذه المجموعة جميع المكونات التي همشتها تلك الحركة النسائية العرقية المهيمنة المتمثلة في حركة النساء السود والحركة النسائية الأمريكية اللاتينية أو "شيكانا" وحركات نسائية للسكان الأصليين والحركة النسائية العربية ونظيرتها الحركة النسائية الإسلامية.

وتعتمد هذه الحركة على مرجعية مشتركة تتمثل في إعادة التفكير في مجموعة من المفاهيم كمفهوم الأسرة أو العمل أو العنف، على ضوء التاريخ الاستعماري للنساء "ضحايا العنصرية". كما تسعى هؤلاء النساء إلى خلق إمكانيات للمقاومة تختلف عن تلك الإمكانيات التي أُعدت لهن من قبل الفكر النسائي المهيمن. ونجد في خضم هذا التحليل التجربة الخاصة بهؤلاء النساء وبنضالهن وتاريخهن، حيث تتداخل هذه التجربة مع تجربة الاستعمار والاستعباد و/أو العنصرية...

 يبدو أن الحركة النسائية الإسلامية تثير أكبر قدر من الجدل وسط هذه الحركات النسائية المتنوعة التي تضم حركات اجتماعية تكونها نساء الجنوب. ولا تُعتبر هذه الحركة مصدر قلق لاعتمادها على مرجع ديني وإنما لأن ذلك المرجع يتمثل في دين "الإسلام" الذي يرمز على المستوى الثقافي لقمع النساء.

وباعتباري امرأة مسلمة تطالب بالحق في خوض نضال مستقل وقائم بذاته، أصبح من الصعب، بل من المؤلم التعايش مع هذه الاتهامات المتكررة التي تُوجه للمسلمات اللائي يُجبرن على تقديم مبررات والاعتذار عن الوضع المُخصص لهن في العالم الإسلامي.

نحن، معشر المسلمات، نخضع لدراسة نقدية ولاستكشاف سوسيولوجي يُعزز في الغالب تلك الصور النمطية التي تبتعد كل البعد عن واقع أكثر تعقيدا مما نتصور. إلا أن الاكتفاء بتجربة نساء الشمال التي اتُخذت كمعيار لقياس وفهم وضع النساء المسلمات ليست الطريقة المثلى لفهم وتقييم الدينامية الداخلية لنضال النساء المسلمات التي قمن بتأجيجها داخل مجتمعاتهن.

إن هذه الحركة التي تُعتبر نسائية بمطالبها وإسلامية بلهجتها ومصادرها المشروعة تعرف أيضا مواقف مختلفة، إلا أنها ترتكز على أساس مشترك يتمثل في المطالبة بالحقوق انطلاقا من مرجع روحي هو الإسلام يتم التعامل معه كرسالة تحريرية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وذلك على عكس الفكرة الرائجة والخاطئة التي نقلها التاريخ عن قمع الدين الإسلامي للنساء.

لقد فهمت الآن بعض المسلمات سواء في البلاد الإسلامية أو في مختلف بقاع العالم، أن ما يقمعهن ليس الإسلام وإنما تلك القراءات المختلفة التي رسمت مجرى تاريخ هذا الدين. وقد سمح هذا الوعي، الذي انبثق عن سياق خاص يطبعه القمع، بظهور نضال نسائي وصف نفسه بالإسلامي على المستوى الروحي، لا ينسلخ عن أصله، ولا يتنكر لانتمائه، وهو في الآن نفسه متمسك بالقيم العالمية دون أن يخضع لمفاوضات من نوع ثقافي.

تطالب هؤلاء النساء إذن بالحق في قراءة الرسالة التي جاء بها الإسلام باسم إيمانهن وقناعاتهن لأنهن واعيات تمام الوعي بأن القراءة التي احتكرها الرجال لقرون متتالية هي المسؤولة عن تهميشهن وإقصائهن من مجالات متعددة لتقتصر مسؤولياتهن على مهام تتسم بالخضوع.

تحاول هذه الحركة أن تخلق لنفسها طريقا وسطا متحررا من التبعية الغربية ومن نزعة تقليدية منغلقة ومتحجرة. كما تناضل لوضع حد لاحتكار المعرفة الدينية التي اعتُبرت، بشكل تقليدي، من اختصاص الرجال المسلمين، ولتهميش إسهامات النساء عبر تاريخ الحضارة الإسلامية. فضلا عن ذلك، تسعى هذه الحركة لتُفند ما يُقال عن أن غياب المساواة بين الرجل والمرأة والقمع والنظام التقليدي هي مبادئ جوهرية جاء بها النص القرآني وهي الأفكار التي تعرف انتشارا كبيرا؛ وتندد أيضا بالتعامل مع بعض التفاسير التمييزية للنصوص الدينية كما لو أنها نصوص مقدسة، وهو ما كرس إقصاء النساء من الفضاء العام الإسلامي وإعطائه طابعا رسميا.

يمثل هذا النضال نموذجا لنضال نساء الجنوب اللواتي يسعين إلى العمل من أجل بناء فكر وتفكير جديدين تتم صياغتهما انطلاقا من منظور نسائي من جهة، وإلى المشاركة في تفكيك خطابات وتصورات تمييزية تجاه المرأة المسلمة من جهة أخرى. ويتم هذا العمل النقدي المُزدوج على مستويين: داخلي وخارجي. فعلى المستوى الداخلي، فإنه ينتقد التفاسير والرؤى التقزيمية التي أعدها فقه إسلامي رجعي ومتجاوز، كما يروم هذا العمل إعادة النظر بشكل فعلي في القراءات غير المتكافئة التي خانت رسالة الوحي، وهو ما سيسمح على المدى الطويل بإعداد تفكير إصلاحي جديد للفكر الإسلامي عبر إعادة إعطاء الشرعية الكاملة للمرأة المسلمة وإشراكها كعنصر مؤثر في هذا التفكير. أما على المستوى الخارجي لهذا العمل النقدي، فإنه يهتم بمستوى الصور النمطية التي توضع فيها النساء المسلمات، ويرفض "المركزية" التي أُعطيت لمكانة النساء في الخطابات الأصولية عن المسلمين والإسلام.

 

النساء المسلمات: عنصر ضروري لتحقيق الديمقراطية والعولمة

تندرج الحركة النسائية الإسلامية في إطار منظور يدعو إلى تحقيق ديمقراطية جماعية، إلا أن ثقافة قمع النساء ترتبط ارتباطا وثيقا بالقمع السياسي الذي يسود تقريبا في أغلب الأقطار العربية الإسلامية ويتكرر في تاريخ معظم الأنظمة القائمة.

وهنا نتساءل: إذا اعتُبرت النصوص الدينية في الإسلام نصوصا محررة وأن الرسالة التي تحملها هي فعلا رسالة تحريرية على غرار باقي الرسالات السماوية التوحيدية، كيف أمكننا إذن أن ندعي قراءة هذه النصوص في سياق يطبعه القمع على المستوى الهيكلي؟

إن اعتماد مرجعية دينية في الأقطار العربية في الوقت الراهن يروم إضفاء الشرعية على حالة خضوع النساء على المستوى القانوني، وهو وضع تفرضه الأنظمة المستبدة وكذا الإيديولوجيات الدينية المغالية في تحفظها، إذ تقف كلها عائقا أمام أي تحرير فعلي للمرأة. وتُعتبر النساء حسب القوانين المعمول بها في عدد كبير من الدول الإسلامية راشدات سياسيا، بيد أنهن تُصبحن من جديد قاصرات قانونيا عند عودتهن إلى البيت وعلى مستوى الأحوال الشخصية عموما. لذا نجد بعض الدول الإسلامية، باستثناء تلك التي أدخلت تغييرات على قوانين أحوالها الشخصية، تتحصن وراء سياسة محافظة متأصلة رافضة لأي تغيير عالمي، وتتحجج سياسيا على نحو شبه دائم بالإسلام كمبرر وحيد للقيود المفروضة على حقوق النساء.

إن المبرر الديني يُستخدم في الغالب من أجل إضفاء الشرعية على عادات لا أصل لها في القرآن، بل إنها تتعارض أحيانا بشكل واضح مع المبادئ الإسلامية كما هو الحال مثلا بالنسبة لختان الإناث أو الزواج بالإكراه، وبالإضافة إلى القمع الثقافي التقليدي الذي تعيشه هذه المجتمعات، تتعرض النساء المسلمات، كما هو حال نساء الجنوب، لإكراهات اجتماعية واقتصادية بسبب عولمة تنخر النسيج الاجتماعي بشكل يصعب إيقافه.

في الواقع، فإن آليات الاستغلال المهيكلة على المستوى العالمي التي تلقى دعم مؤسسات العولمة الرسمية المسماة بالمؤسسات الليبرالية، تُبقي على شعوب الجنوب في أقصى حالات الضعف على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، كما تزيد من هشاشة وضع النساء بحجة إعادة النظر في المكتسبات الاجتماعية.

وجدير بالذكر أن التوجهات السياسية والاقتصادية التي تنهجها بعض الجهات المانحة مثل البنك العالمي وبعض سياسات منظمة الأمم المتحدة لا تستجيب لانتظارات نساء الجنوب الحقيقية. فما تقوم به هو مجرد تعزيز مكتسبات ومصالح النخبة في دول الجنوب "المستنيرة" و"المستغربة" التي انشغلت بالأساس بالحفاظ على مركزها في السلطة. فلم يخل الخطاب النسائي من أغراض أخرى ولم يغفل عن رهانات تتنازع عليها الفئات الاجتماعية من جهة، و دول الشمال ودول الجنوب من جهة أخرى.

ولقد رأينا خلال السنوات الأخيرة الماضية على سبيل المثال حلقات دراسية تُنظم في مختلف البلدان المغاربية باسم حقوق المرأة، بيد أنها تخدم في الواقع إيديولوجية المحافظين الجدد الأمريكية، في إطار سياسة الشرق الأوسط الكبير التي تهدف إلى جعل النخبة النسوية المغاربية تنخرط انخراطا كاملا في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. لكن النضال من أجل التحرير الديمقراطي في الخارج لا يتم تصديره عبر هذا النوع من الابتزاز الثقافي أو حتى عبر نهج أسلوب دكتاتوري. فعن أي تحرير وعن أي ديمقراطية نتحدث عندما يتم استغلال هذه المفاهيم التي جُردت من معانيها الحقيقية لتحقيق غايات معينة وتبرير الاجتياح والاستعمار والاستغلال الفاضح لثروات الشعوب بدافع "التحرير"؟

نظن أننا ندافع عن المسلمات من خلال تشجيع مناصرات الحركة النسائية والترويج لهن- بشكل مهين أحيانا –حيث يُفترض بهن أن ينطقن بلسان الحرية والشجاعة، بيد أنهن لا يقمن سوى بتحقير الإسلام وإهانته ووضعه في قالب نمطي بشكل اعتباطي[8].

يجب على النساء المسلمات، على غرار جميع نساء العالم، أن يشاركن في تحسين وضعهن الحقوقي على المستوى العالمي في كل الأصقاع انطلاقا من نضالهن الداخلي، الذي يمكنهن تحقيقه. إن إشكالية المساواة بين الرجل والمرأة في دول الجنوب معقدة جدا، كما أن النضالَ الذي يهدف إلى الحصول على المزيد من الحقوق لصالح النساء بشتى أشكاله، تتخلله استراتيجياتٌ معقدةٌ.

إن عدم استساغة بعض مناصرات الحركة النسائية في دول الشمال نضال النساء باسم الدين لدليل على رؤيتهن العرقية والمبالِغة في التبسيط، كما أن فرض نموذج واحد من خلال رفض المزج بين الحركة النسائية والدين يعكس رؤيتهن الضيقة. سيكون من الخطأ الاعتقاد بأن كل حركة نسائية غربية قد تأسست على التعبئة ضد كل ما يمث للدين بصلة.

لقد قامت نساء مسيحيات ويهوديات بتسخير إيمانهن دون توقف للنضال من أجل تحقيق التحرير النسائي، وعارضن نَسْب الهيمنة الذكورية بشكل جوهري للدين. بالإضافة إلى ذلك، لم تكن الحركة النسائية أبدا في قالب موحًد، وهذا لا يُعتبر في حد ذاته مشكلة لأن تنوع أشكال النضال والطرائق المعتمدة أمر محمود لتحقيق المزيد من قيم الإنصاف والعدالة التي يجب أن تسود رغم وجود هذه الاختلافات. فما يهم هو المعنى الذي يُضفيه كلٌ على نضاله دون تأصيل للمواقف التي تعتبر مُتناقضة معها.

إذا كنت أسعى باعتباري امرأة مسلمة إلى إعطاء مفهوم أخلاقي وروحي لانخراطي في الحركة النسائية، فإني لا أرى في الحقيقة أي مبدأ عالمي يمنعني من هذا الحق. وأتساءل عن سبب تشجيع النساء اللائي يطالبن بنفس هذا الحق المتمثل في الانخراط في الحركة النسائية، وكذا الترويج لهن واعتبارهن نساءا يتصفن بالشجاعة ويسرن على خُطى الخطاب النسائي "العالمي" في الوقت الذي يقمن فيه بالتنقيص من الإسلام بشكل مهين ويتنكرن لثقافتهن وأصولهن.

من المؤكد أن مراعاة التنوع الثقافي والروايات المختلفة لعلاقة السيطرة التي تجمع بين الرجال والنساء، لا تفترض قبول إهانة كرامة الإنسان، و لا السماح بنسبية ثقافية يمكنها أن تضفي الشرعية مثلا على ختان الإناث أو جرائم الشرف التي تُرتكب باسم "الحق في الاختلاف"، كما لا يمكننا أن نقبل بمبررات العالم الغربي الذي يُعتبر وحده حامل الحضارة وذي صبغة عالمية.

إن القرار الذي اتخذته نساء مسلمات بنهج نضال مستقل لا ينسلخ عن المبادئ العالمية الحقيقية باسم إيمانهن وانطلاقا من سياقهن الاجتماعي، لا يبعث على الدهشة، بل يجب أن تأخذه بعين الاعتبار بقية المناصرات للحركة النسائية في دول الشمال وأصحاب القرار السياسي في الغرب. وهذا سيتأتى بعد أن تُحدد النساء المسلمات الأسباب الحقيقية الكامنة وراء التمييز القائم ضدهن وينددن بالخطابات التي تكرًس لدونيتهن باسم ما هو مقدس.

وللمضي قدما بقضية حقوق النساء باسم عالمية مشتركة، يجب الانكباب على إحداث أرضية مشتركة تُمكننا جميعا، رجالا ونساء على اختلاف معتقداتنا، من تبادل الدراسات النقدية التي ننجزها، وتجاربنا ومكتسباتنا ونقاط ضعفنا وصراعاتنا وتناقضاتنا.

سواء جئنا من دول الجنوب أو الشمال، سواء كان النضال ذا بعد روحي أو تشكيكي أو إنساني، لا بد أولا من الاتفاق على قيم مشتركة لا تقبل الجدل تتمثل أهمها في رفض إعطاء أي شرعية لللامساواة التي تترتب عن علاقات الهيمنة مهما كان مصدرها.

لكل شخص، ملحدا كان أو مؤمنا، مكانه في الحركات التي تناضل من أجل محاربة الظلم في هذا العالم. فالتأكيد على اللاتمركز العرقي والاجتماعي هو وحده الضامن لعالمية حقيقية ملموسة لا يحتكرها طرف واحد، عالميةٌ يمكن للجميع قبولها، إذ بغيابها تغيب إمكانية الحوار وسيادة القيم الإنسانية المتبادلة، بل حتى وجود تاريخ مشترك.

نشر بتاريخ 17/04/2012

--------------------------------------------------------------------------------

[1]  مقولة لفرونسواز إيريتيي (Françoise Héritier) من كوليج دو فرانس (Collège de France).

[2]  الاتجار بالنساء في العالم، مالكة ماركوفيتش (Malka Marcovich)، الكتاب الأسود لوضع النساء، بوان إديسيون إكس أو، صفحة 545-2006.

[3]  المرجع نفسه

[4]  مثال ذلك الشريط الذي بثه "صندوق الأمم المتحدة لتنمية المرأة" عن العنف ضد النساء في العالم والذي لم يُظهر سوى نساء من دول الجنوب: نساء آسيويات وسود وعربيات ومن أمريكا اللاتينية... دون أن تظهر فيه امرأة شقراء واحدة بعيون زرقاء، باستثناء الممثلة بطبيعة الحال، وهو ما يجعلنا نجزم أن هذا الشريط أنجز برعاية امرأة بيضاء. www .saynotoviolence .org

[5]  موهانتي في "ناليني فيسفاناثان"، 1997، الجزء 25، رقم 3/2006.

[6]  "عندما نجعل الثقافة مسؤولة عن سوء السلوك"، ليتي فولب (Leti Volpp  )، 2006.

[7]  لا بد من الإشارة هنا إلى أن كلمة "ما بعد" التي يتضمنها مصطلح "ما بعد الاستعمار"، تُحيل على التسلسل الزمني التاريخي، كما لا يجب أن تحجب السياسات الاستعمارية والعنصرية الرائجة. للمزيد من التفاصيل، أنظر مقالة مهمة لإيلات شوحات Ellat Shohat "ملاحظات عن ما بعد الاستعمار" على الموقع الآتي: www.mouvements.info/spip.php?article172.

[8]  أنظر في هذا السياق مقال فانسون غيسير Vincent Geiserعلى الموقع Oumma com : "les poupées barbies de l’Islam light"



 
2012-06-18 19:33ahYUHjNv

Wow! That''s a really neat aswner!

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

تقرير عن محاضرة الدكتورة أسماء المرابط "نساء و ديانات" بالمركز الثقافي المغربي بمونتريال

تقرير عن محاضرة الدكتورة أسماء المرابط "نساء و ديانات" بالمركز الثقافي المغربي بمونتريال

استضاف المركز الثقافي المغربي بمونتريال الدكتورة أسماء المرابط يوم الجمعة 21 ابريل 2017 للحديث عن "النساء و الديانات. رؤية مغربية".  ودعت الدكتورة في هذه المحاضرة إلى أهمية النقد الذاتي في العالم الإسلامي المعاصر و إلى ضرورة القيام بتفكيك المقاربة التقليدية  للمرجعية الدينية بهدف الخروج من مأزق التأويل الراهن. 

النسق القيمي في القرآن الكريم ودوره في بناء الأسرة السوية. ج1

النسق القيمي في القرآن الكريم ودوره في بناء الأسرة السوية. ج1

يتصل السلوك الإنساني عموما بمجموعة أبعاد تنظم علاقات الإنسان مع الذات ومع الله ومع الناس ومع الكون كله، ويمكن حصر هذه الأبعاد في أربعة عناصر هي: البعد البدني والبعد الأخلاقي والبعد العقلي والبعد الديني، والقيم المرتبطة بهذه الأبعاد "ما هي إلا انعكاس للأسلوب الذي يفكر الأشخاص به في ثقافة معينة

النسق القيمي في القرآن الكريم ودوره في بناء الأسرة السوية. ج2

النسق القيمي في القرآن الكريم ودوره في بناء الأسرة السوية. ج2

إن هذه القيم التي ذكرنا مع ما يظهر فيها من استقلال كل مجال بموضوعه وسياقه، تمثل في القرآن الكريم على الحقيقة كلا واحدا، لا يجتزأ وهذا الكل هو الذي يبني الشخصية المسلمة المتوازنة القادرة على حمل الأمانة ومسئولية الإعمار وإعداد الإنسان الصالح للعبادة؛ ولذلك اهتم الخطاب القرآني بالإنسان ناظرا إلى موقعه حيث يكون فردا وحين يصير مع الأفراد جماعة وحين يصبح مع الآخرين كلا واحدا في مسمى الأم...