المرأة والغرب

بعض مآزق الحركة النسائية الغربية في مواجهة الإسلام
بعض  مآزق الحركة النسائية الغربية في مواجهة الإسلام

 

كارين جانتان *

 

 

ترجمة: بشرى لغزالي

يلتقي مسار التحرير النسائي مع المنهج الروحي في مجموعة من النقاط، حيث يبدوان كمسار وطريق خاص يؤدي تتبعه إلى ولوج العالمية، ويظهران كوسيلة للوصول إلى هذا المستوى العالمي من خلال تتبع مسار محدد.

يتطلب مسار التحرير في نظري التحلي بنوع من الروحانية التي تُعتبر خاصية إنسانية، إلا أن الروحانية تحتل اليوم في الغالب المرتبة الثانية عند الحركة النسائية الغربية، التي تفضل أن تربطها بالدين باعتباره نظاما جافا يهتم بتنظيم الحياة على المستوى الاجتماعي والأخلاقي، ليتم توجيهه نحو مجموعة من الرهانات الجيوسياسية غير المُتوقعة من أجل تحقيق أهداف عنصرية معينة محتملة. وهو ما سأحاول عرضه في هذا المقال.

من أجل فهم مدى تعقيد طبيعة الجنس البشري واستيعاب هذه الحياة الدنيوية، وكذا فهم أسرار الكون والكائنات، والجماعات والأفراد، وما هو أبدي وظرفي، لا يكفي حقيقة أن نقرأ كتابات كبار المفكرين أو الحكماء، بل يجب أن يُعيد كل منا بدوره السير على النهج الذي يوصلنا إلى فكرهم وإلى حكمتهم. فبالعودة إلى صورة معروفة من صور الفلسفة المتوسطية، نجد أن قراءة كتابات أفلاطون غير كافية، بل يجب إعادة المرور من المسار الطويل الذي سلكه سقراط من أجل فك القيود الشخصية، وذلك من عمق هذا الكهف الذي تمثله الحياة الاجتماعية، ثم إعادة عبور ذلك النفق المظلم والاتجاه نحو نقطة الضوء التي تلوح في آخر النفق صوب المعرفة، متلمسين الطريق في جو شبه مظلم، دون أن نؤمن بأن الرحلة سوف تنتهي بمجرد الوصول إلى مصدر الضوء ومعانقة الهواء الطلق.

لقد مر من هذا الطريق المتعثر والوعر نساء أيضا، كما تُحيل إلى ذلك كتابات أسماء المرابط التي تصب في مجال الإسلام؛ وهي المسلمة الفاعلة في الحركة النسائية ورئيسة المجموعة الدولية للدراسة والبحوث حول النساء والإسلام (GIERFI). ونجد في هذا السياق أيضا أعمالا أخرى مثل كتاب "تاريخ النساء الفيلسوفات" الذي صدر بفرنسا سنة 1690م لكاتبه جيل ميناج، والذي خصصه للمفكرات الأوائل[1]، حيث يُظهر بدوره أن عددا كبيرا من الأسماء النسائية البارزة ذات وزن فكري وحكمة بالغة قد أصبحن في طي النسيان مع مرور الزمن.

وارتباطا بهذا الموضوع، ما زلت أفكر في "إنجيل مريم" الذي اعتبر كتابا منحولا تمت إزالته من الكتاب المقدس نظرا "لجنسه"، كما يُقال أحيانا، وكذا كتابات أخرى لتلاميذ المسيح التي أعطت مساحة كبيرة جدا للنساء. وهذا يجعلنا نتساءل ما إذا كان ارتقاء الفكر مرتبطا بجنس بعينه؟

في الواقع، يُخفي إقصاء النساء من ممارسة السلطة السياسية أمرا آخر محرما أيضا عليهن: إذ أُقصين من مجال الحكمة ومن حقهن في ممارسة السلطة الأخلاقية، بيد أن الحركة النسائية يمكنها أن تُصبح طريق حكمة تؤدي إلى التفكُر في الكون، باعتبارها محطة للتفكير في مصير النساء وفي النظام الإنساني والاجتماعي، وباعتبارها أيضا وبكل بساطة نضالا من أجل التحرير. ويمكن أن تندرج مصالحةُ نضال الحركة النسائية مع رؤية ذكية ودقيقة تهتم بالإنسانية جمعاء، في إطار محاولة من المحاولات الفلسفية.

من المؤسف أن يُنظر غالبا إلى الحركة النسائية في مجتمعاتنا كأنها لوبي مجتمعي قوي (حقوق المرأة) خال من الحكمة ومن أي منظور جماعي واضح (المدينة الفاضلة). إنها مطلب جماعي، لكن الحركة النسائية الغربية ترفض اليوم قبول ذلك.

لا يُمكننا أن نُنكر إنجازاتها الكبيرة؛ فلا مثيل للنتائج الملموسة التي حققتها بنضالها سواء كان ذلك في المجتمع أو المطبخ أو غرف النوم. لا بد في هذا السياق من استحضار النقاش الذي أجَّجته الحركة النسائية على مستوى نضالات أخرى كقضية صراع الطبقات أو نضال التحرر الوطني في أماكن أخرى، وهو السجال الذي ما يزال مستمرا. عندما تتحدث اليوم نساؤنا في الحركة النسائية في دول الشمال عن حقوق المرأة كرِهان سياسي ومجتمعي عالمي، فإننا نتقبل ذلك دون تمحيص من حيث المبدأ، لأنه الخطاب الذي أصبح اليوم مشروعا، والخلفية السياسية التي تسمح للفرد أن يخوض هذا الغمار. لكن تُصبح هؤلاء النساء على أرض الواقع مرتبطات بشكل كبير بمشكلة من نوع جماعي دون بعد وطني موسع: رهانات الكوطا، واجب وضعهن في مكان متقدم وهو واجب "صائب على المستوى السياسي"، الخ...

يتناول أغلب القادة الرجال مكانة النساء وقضية حقوقهن على مضض باعتبارها واجبا يفرض عليهم التراجع أمام نزعة جماعية "محرمة" وبالتالي غير مرغوب فيها. ونجد بطبيعة الحال اختلافات من بلد لآخر، كما لا يمكننا تجاهل الصبغة الثقافية التي تُضفيها هذه التحولات. ورغم ذلك، لا نجد سوى خيبات أمل كبيرة، ونجاحا على أرض الواقع. لكن المرأة تبقى مقيدة دائما في إطار محدود.

منذ ذلك الحين ومع مرور الزمن، اعتبرت مجموعة من المناصرات للحركة النسائية الغربية نضالها في الزمن الماضي، الذي سعت من خلاله إلى نيل التحرير، لحظة حاسمة بغية تعويض ما فاتها. وقد امتزج هذا الحنين إلى الماضي المفهوم والمشروع بواقع صعب، لتتغير الأمور قليلا فيما بعد. فبدل استعادة القوة أمام التحديات التي تطرحها "حرب الحضارات" وأمام الرؤية المتجددة التي تعتبر النساء موضوع سجال بين "الإسلام" و "الغرب"؛ وبدل استعادة ذلك النفس التحريري الأول الذي تميزن به والذي يرفضن من خلاله النظام الأخلاقي القائم - والذي يظهر محاربا وإمبرياليا تارة، وناصحا ومدافعا تارة أخرى-، وبدل إحياء إبداعهن النظري السابق، قبِلت مجموعة من المناصرات للحركة النسائية بتملق مشروعيةً مُنحت لهن فجأة بثمن بخس. فقد دعمت هؤلاء الفاعلات خطابات أقل ما يُمكن القول عنها إنها غامضة، أو بالأحرى ذات طابع إمبريالي واضح، يتصف بالعنصرية والتمييز في حق الشرائح الشعبية المهاجرة ولاسيما المسلمة منها، مُعتبرة نفسها وصيةً على القيم النسائية العالمية، لتصبح بعد ذلك راعية للغرب. لا ريب في أنها كانت تحلم سرا بالاضطلاع بهذا الدور الريادي الجديد! لتخرج إلى الواجهة بعد أن كانت مهمشة!

قامت اليوم مناصرات غربيات أو "مستغربات" للحركة النسائية بالتحالف مع دول الشمال من أجل "الدفاع" معا عن عالمية حقوق المرأة. ليس من الخطأ السعي لتحقيق هذا الطموح النبيل، في الوقت الذي نرى فيه مجموعة من المواقف على أرض الواقع، لكن يجب النظر فيما يحدث فعلا على هذا المستوى. فدول الشمال تنفرد في منظورها بصفة العالمية، وكذا بالإنجازات التي حققتها الحركة النسائية، وهي الدول التي كانت تسخر وتستخف في الماضي القريب من هذه الحركة والتي يرفع زعماؤها على مضض شعارات تقضي بضرورة دعم مكانة النساء إلى جانبهم، في الوقت الذي تتم معاملتهن فيه بازدراء على أرض الواقع.

ما يحدث هو وجود مصالح جيوسياسية مباشرة وحروب وتلاعبات تحصل من أجل الهيمنة وجب تبريرها، ودعما داخليا للدول القائمة ولترديها الاجتماعي ولسياساتها الأمنية، أما الحصيلة النهائية لفترة ما قبل الاستعمار فتتمثل في استحالة إيجاد حل في سياق مماثل يُرهق الشعوب ويؤثر سلبا على العلاقة بينهم. وإذا جمعنا هذه المعطيات، سنحصل على ما يُسمى بحرب الحضارات. أما الطرف الغربي، فيُطلق على ذلك اسم سياسات مكافحة الإرهاب. في خضم هذا الواقع، تنسى الحركة النسائية أنها نهج يسعى لبلوغ العالمية، وتساهم، بالمقابل، في إدانة الدين الإسلامي. لكن ما محل الحركة النسائية من الإعراب في ظل هذا السياق؟!

يساهم عدد لا يُستهان به من المناصرات للحركة النسائية في الغرب في هذا الأمر، باستثناء عدد مهم من النساء اللائي اكتسبن اليوم وضعا اجتماعيا يتسم بالشرعية نظرا لمسارهن؛ فالجيل الجديد الصاعد يحمل لحسن الحظ خطابا مختلفا، فقد حصلت هؤلاء المناصرات اللائي يُضمرن عنصرية جديدة من خلالها على اعتراف مجتمعي متأخر.

بعد أن أصبحت المناصرات للحركة النسائية حليفات موضوعيات لدولهن، أصبح بإمكانهن تجاوز خيبات الأمل والمضايقات التي يتعرضن لها. وبالتوقف عند أفكارهن ونضالهن، نجد أنهن اخترن بأن يُقر أولئك الذين كانوا يستهزؤون بهن بالأمس بشرعية نضالهن الذي قمن به في الماضي، بدل إنهاء مسيرة التفكير من أجل التحرير والتضامن الضروري بين المضطهدين بغية استئناف مرحلة جديدة من بذل الجهود. وانطلاقا من نضال تحرري وسجال ذي طابع تحريري عالمي، أعددن قضية حضارية لفائدة توجهات السلطات الأمنية، أو بالأحرى الحربية، التي تعتمد هي نفسها عليها.

في المقابل، للحركة النسائية تأثير إيجابي على عدة مستويات في الوقت الراهن باعتبارها حركة عالمية. تعني الحركة النسائية في آخر المطاف الاعتراف بالآخر وأخذه بعين الاعتبار لكونه يعكس أوجه التشابه والاختلاف في آن واحد. وهي أيضا أساس في تطبيق حقوق الإنسان وبداية الديمقراطية والعالمية والإنسانية والتسامح والاحترام والأساس الاجتماعي الذي يُرتكز عليه. كما تعني أيضا ضرورة وضع خطط الهيمنة صوب أعيننا من زاوية نظر مختلفة: فليس ذلك الآخر الذي يبعد عنا هو الذي يفرض سيطرته، ولا فئة اجتماعية أو وطنية من الخارج، لكنه ذلك الآخر القريب منا، جيراننا وأصدقاؤنا المقربون وبقية المواطنين. ولأننا لا نسعى إلى إثارة حرب بين الجنسين، إلا من منظور نسوي غربي متطرف يبين اهتماما كبيرا على المستوى النظري إلا أنه عديم النفع على المستوى العملي، ها نحن أمام واجب الدفاع عن ضرورة التكتل جميعا من أجل المضي قدما، ليس بتشكيل معارضة منظمة ضد الجنس الآخر، وإنما عبر التفاوض المستمر، الذي انخرطنا فيه في الواقع منذ وقت طويل، من أجل مستقبل مشترك ولإرساء قيم مشتركة قدر المستطاع. وهذا يحتم علينا أن نمحو فكرة اعتبار الآخر مسيطرا حقيقيا، بل كائنا معقدا يحمل مجموعة من التناقضات حيث نقوم بالتفاوض معه. فنحن هو ذلك الآخر في اختلافنا إلا أننا نتشابه بالضرورة في صفاتنا كحبات الرمل التي تؤثث الصحراء، فتجدنا نتأمل ذاتنا من أجل التفكر في الإنسانية، في حركاتها وسكناتها وقدراتها. وأخيرا، تمثل الحركة النسائية نقطة انطلاق تلك النزعة الإنسانية وكذا الحكمة.

انطلاقا من حقوق الإنسان العالمية التي لا تُعطى فيها الأولوية لحقوق على حساب أخرى والتي تُعتبر جميعها حاجة ملحة وضرورة دائمة، تُذكر الحركة النسائية بأن حقوق المرأة لا يُمكن أن تُغفل لصالح رهانات أخرى لمجرد اعتبارها أكثر أهمية. لن يتردد مناصرو الحركة النسائية في الإصرار على حقوق المرأة وسط نضال جماعي من نوع آخر، سواء أكان نضالا اجتماعيا أو دينيا أو وطنيا أو اقتصاديا أو غيره: إنهم يمارسون بذلك حقا من حقوقهم، ويتفادون أيضا الانجراف في طريق غير محمودة عواقبها.

إن التفكير في الذات بكل تعقيداتها وآمالها لبلوغ العالمية، وباختصار، عدم إبعاد الإنسان عن صلب اهتمامنا ولو كان ذلك مقابل بذل مجهود جبار، لذو أهمية بالغة وضرورة حيوية. إن إغفال هذا البعد الروحي العميق في النضال النسائي وهذا الأمر الملح والمتواصل من أجل الفصل بينهما، يبرر الانحراف العدواني الذي تقوم به حاليا الحركة النسائية التي تعتبر نفسها في الغالب الطرف الراعي للشمال. ولا يُعتبر الفكر العلماني المتطرف الذي يعرف نوعا من المغالاة، بعيدا عن الأسباب السياسية الضرورية، سوى دليل على ضعفها المؤسف.

نشر بتاريخ 23 يناير 2012


--------------------------------------------------------------------------------

* كارين جانتان صحفية ومناضلة في مجال حقوق الإنسان والتعاون الدولي، تدير موقع المعلومات النسائي ( www.topicsandroses.com Topics&Roses. ساعدت عبر مركز أرتيميس باريس في إنجاز مشاريع من أجل التعاون مع المجتمع المدني في الفضاء الأورومتوسطي الموسع إلى حدود العراق، حيث تعمل تحت لواء المنظمات غير الحكومية الكيبيكية البديلة ( www.alternatives.ca). أما هذا المقال فقد اعتمدت فيه الكاتبة على عملها في مشروع Topics&Roses وعلى المؤتمرات التي ألقتها في برشلونة والرباط مع مجموعة GIERFI (http://gierfi.wordpress.com/). أنظر في هذا السياق أيضا www.centre-artemis-paris.info.

ونُشر هذا المقال بمجلة Paroles de féministes musulmanes، العدد 121.

[1]  أعيد إصداره سنة 2005: تاريخ النساء الفيلسوفات، لجيل ميناج، باريس، دار النشر أرلييا، دجنبر 2005



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

خبيرة ألمانية في علوم القرآن:"كل من يقول أن الإسلام لا يواكب العصر فهو ذو عقل محدود

خبيرة ألمانية في علوم القرآن:"كل من يقول أن الإسلام لا يواكب العصر فهو ذو عقل محدود

ترى أنغليكا نويفرت الخبيرة في علوم القرآن أن ادعاء افتقار الإسلام إلى التنوير ما هو إلا صورة نمطية أوروبية قديمة غير قابلة للصمود أمام الحقائق التاريخية٬ مشيرًة إلى الصفات القرآنية "الجمالية والتقدمية الثورية" وإلى أن صميم القرآن يدعو إلى العلم والمعرفة. وتعتبر أن افتخار الغربيين بعصر التنوير الأوروبي هو ما يدفعهم باستمرار إلى اعتبار الثقافة الغربية متفوقة على الثقافة الإسلامية. 

"كرامة"، محاميات مسلمات من أجل حقوق الإنسان

"كرامة"، محاميات مسلمات من أجل حقوق الإنسان

تهتم عدة مؤسسات بحثية عبر العالم بالقضايا النسائية والإسلام عبر إصداراتها العلمية والأكاديمية وأنشطتها الفكرية. وتسعى في مجملها إلى إبراز صورة النساء في الإسلام، ولاسيما في ظل الصورة القاتمة التي يروجها الإعلام الغربي عن الإسلام والمسلمات، وتسليط الضوء على القيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام مثل المساواة والكرامة... 

دة. أسماء المرابط "ضيفة خاصة" في ملتقى مجلس أوروبا

دة. أسماء المرابط "ضيفة خاصة" في ملتقى مجلس أوروبا

تحل دة. أسماء المرابط، رئيسة مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام، يومي 1 و2 شتنبر ضيفة خاصة على مجلس أوروبا الذي دعاها للمشاركة في ملتقى دولي عن البعد الديني للحوار الثقافي تنظمه لجنته الوزارية هذه السنة في باكو، عاصمة جمهورية أذربيجان، بعنوان...