اصدارات المركز

القرآن والنساء.. قراءة للتحرر أسماء المرابط: بيعة الرضوان أكبر تكريم إسلامي لدور المرأة عبر التاريخ

 
"هذا كتاب صدر في الظرفية الزمنية الأمثل"، كما يقول النقاد، على اعتبار أن السنة الجارية (2010)، افتُتِحت في العديد من الدول الغربية (الأوروبية وحتى في القارة الأسترالية)، على إيقاع "أزمات" مرتبطة بواقع المرأة المسلمة المقيمة في الغرب، وازدادت الأمور استفحالا، مع الزوابع السياسية والقانونية التي أُثيرت حول موضوع الحجاب والنقاب، وإذا كانت هذه الزوابع قائمة حتى في بعض الدول العربية والإسلامية (بحكم الخلاف الفقهي مثلا القائم حول موضوع نقاب المرأة)، فلنا أن نتصور طبيعة تفاعلاتها هناك، في المجال التداولي الغربي.
ضيف هذا العرض، كتاب ألفته الدكتورة أسماء المرابط، ويحمل عنوان: "القرآن والنساء.. قراءة للتّحرر".
(صدر الكتاب عن مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام، للرابطة المحمدية للعلماء الطبعة الأولى 2010، ويقع في 225 صفحة من الحجم الكبير، وترجمه الباحث محمد الفران، ويستحق المترجم شهادة تنويه على اللغة والأسلوب وطبيعة "الاشتباك" الذي يبدو جليّا أنه خاضه من أجل إخراج النسخة العربية من العمل، والمُحرر قي نسخته الأصلية باللغة الفرنسية).
تَفرّع الكتاب على مقدمة حرّرها الدكتور أحمد عبادي، أمين عام الرابطة المحمدية للعلماء، وتوطئة بقلم المؤلفة، إضافة إلى ثلاثة فصول جاءت عناوينها كالتالي: "لقاء مع مسلمات لا كالأخريات"، "عندما يتكلم القرآن عن النساء"، و"عندما يتكلم القرآن مع النساء"، وخاتمة.
واعتبر الدكتور أحمد عبادي في مُستَهل العمل أنه "مازال الاختلاف العلمي بخصوص القضايا النسائية في كافة المجتمعات منفتحا على أضرب الاجتهاد الرصين والتأسيسي المفاهيمي الرزين، محاولا التجانف عن أشكال التوظيف الظرفية والوقتية العابرة"، مضيفا أن النظر إلى المرأة في المجتمع الإسلامي، اكتنفه "كثير من سوء الفهم، من جراء ممارسات اجتماعية لا تمت إلى ديننا الحنيف بصلة"، ومعتبرا، في معرض تقييم عمل مُؤلفة الكتاب، أن هذه الأخيرة، "اجتهدت في وضع الحدود الفاصلة بين صفاء النص القرآني والحديثي، والتأسيس المجتمعي البشري، منها في إزالة بعض العتمات بتسليط الضوء على اللحظات المشرقة من تاريخنا الإسلامي الذي لم يزد المرأة إلا تكريما وتشريفا، غير أنه تم التغافل عنها وتناسيها حتى أضحى الجهل بها قاعدة في أمس الحاجة إلى مزيد من التفكيك والكشف وكذا التأصيل والتأثيل، وهو لا شك جهد ينوء بالعصبة أولي القوة من الباحثين، وحَسْبُ مؤلفة الكتاب، أنها في هذا المصنف، قد بادرت إلى معالجة كثير من الأسئلة الحرجة والقلقة في آن".
ودعت الورقة التقديمية لأحمد عبادي، القارئ الكريم، (سواء كان عالما أو باحثا أو معنيا بالموضوع وقلاقله)، إلى حتمية التشمير العلمي الكبير، بهدف "إعادة صياغة منظورنا للمرأة بمراجعة ما ترَسّب في الأذهان وتكَلّس في العقول على أنه من بَدَهِيات الدين والمنقول، بفتنه عن أنوار صحيح المنقول من الكتاب والسنة، وصريح المعقول من كسب الأمة، حتى يتسَنّى لمجتمعاتنا تجديد النظر في أطرها المعرفية ومراجعها العلمية".
افتتحت المؤلفة عملها بالتأكيد بداية على أن إشكالية المرأة المسلمة ظلّت رهينة رؤيتين اثنتين على طرفي نقيض: الأولى مقاربة إسلامية محافظة متصلبة، والثانية مقاربة غربية إثنية عرقية معادية للإسلام، مؤكدة على أنه هاتين الرؤيتين تتصارعان فيما بينهما، ولو أن هناك قاسم مشترك يجمعهما، وهو وقوفهما معا أمام طريق مسدود، وكون المرأة المسلمة بقيت ضحية بامتياز، لاختيارات تمت طيلة قرون من الجمود والانحطاط.
هذا فيما يتعلق بالفضاء أو المجال التداولي العربي الإسلامي، وبالنسبة لمجال الغير (أي المجال التداولي الغربي)، فتؤكد المؤلفة في هذا الصدد أن وضعية المرأة على حدِّ ما هو معروف ومُتداول اليوم في القراءة التقليدية السائدة في كل أرجاء العالم الإسلامي، أصبحت بمثابة المَنفَذ الوحيد الذي من خلاله، تسعى باستمرار الهيمنة الغربية للتدخل من أجل تسفيه النسق الفكري الإسلامي بأكمله، ومكمن مأزق مُرَوّجي هذا الخطاب (الغربي)، برأي المرابط، أنهم لم يستطيعوا بعد، أن يقطعوا مع الخطاب الاستعماري والمهمة التي يدعي لنفسه حقا أو باطلا الاضطلاع بها على الدوام، والتي هي "نشر الحضارة" بالنسبة للشعوب المستعمرة، لتستخلص في النهاية إلى أن هذا الخطاب لا يريد أن يُحَرّر المرأة المسلمة لذاتها، بل يريد على الأرجح إعطاء قيمة للتحرر الغربي، والإبقاء تبعا لذلك على موضعه القوي الذي سيساعده دوما على السيطرة على الآخر أكثر فأكثر.
وبعيدا عن حصر مهمة المرأة ـ كما يفعل البعض ـ في دور الأمومة الذي تقوم به بشكل طبيعي، تلاحظ المؤلفة أن القرآن الكريم يُسَلّط الضوء على جوانب أخرى في حياة المرأة، فيقدم لنا نماذج كانت مسارات حياتهن متنوعة، فهناك المرأة الملكة والتي تمثلها بلقيس وزليخة، وهناك المرأة العاطفية المنفعلة، مرورا بالمرأة المنصرفة للعبادة والاعتكاف كمريم العذراء أو المرأة التي تمثل رمزا للتضحية كآسية زوجة فرعون؛ حتى أن المؤلفة اعتبرت مريم العذراء مثلا، "صلة وصل بين المسيحيين والمسلمين"، واصفة إياها بأنها "من الشخصيات النادرة التي حصل حولها الإجماع عبر تاريخ البشرية"، وأنها "تُجسّد بامتياز الجسر الروحي الذي يدعو للتوحيد الذي تكفل به جد الأنبياء إبراهيم عليه السلام".
ويحفل الكتاب بترحال تاريخي مع أدوار العديد من نساء الحقبة النبوية، نذكر منهن سمية أم عمار، أول شهيدة في الإسلام؛ زينب بنت الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أو المرأة التي جازفت بنفسها وهي حامل وهاجرت بدينها، فتعرضت لاعتداء في الطريق فقدت على إثره حياتها؛ أم شريك (من عشيرة دوس)، وجلّ هذه الأسماء، برأي أسماء المرابط، جسّدت نساء ذوات شخصية قوية، متفتحة وصادقة وشجاعة، هنَّ من أشار إليهن الله تعالى في القرآن الكريم، ولم يشر عز وجل أبدا إلى المرأة الخاضعة والمهمشة والخنوع على الدوام، معتبرة أنها صفات أصبحت تمثل الصورة النموذج التي تلصق بالمرأة المسلمة في عصرنا الحالي.
ومن القراءات المستجدة والقيمة التي يحفل بها الكتاب، قراءة المؤلفة للهجرة النبوية باعتبارها فعلا سياسيا، وأنها كانت وسيلة للمرأة المسلمة في ذلك العصر، لتؤكد حضورها كعضو نشيط في المجتمع، من خلال مساهمتها الكاملة في المفهوم الجديد للعمل السياسي الذي نصّ عليه الإسلام، ولم يطلب منها أبدا أن تظل ساكنة في بيتها تنتظر الرجال حتى ينتهوا من إنشاء الدولة الإسلامية الجديدة.
أما بيعة الرضوان التي عرفت بـ"بيعة الشجرة"، فيكفي، برأي المؤلفة، أنها ضمّت ثمانية نساء ذركن في كتب التاريخ الإسلامي، وتم استقبالهن من طرف الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، وهو الاستقبال الذي يحمل دلالات عدة.
ولعلّ أبرز خُلاصات العمل، تأكيد أسماء المرابط على أنه تمّ تجاهل فلسفة التدرّج التي دعا إليها القرآن الكريم، والتي تهدف إلى تحرير وتحرر تدريجي، مما أدى إلى تراجع وضعية المرأة، بما يحيلنا مُجدّد على ما جاء في تقديم الدكتور أحمد عبادي للعمل، من أن التصدي لهذا التجاهل، يبقى من مهام "جُهد ينوء بالعصبة أولي القوة من الباحثين، وحَسْبُ مؤلفة الكتاب، أنها في هذا المصنف، قد بادرت إلى معالجة كثير من الأسئلة الحرجة والقلقة في آن واحد.



 
2012-02-15 15:48BVKOGUoCKzGkYWPAEGX

I found myself nodding my ngoign all the way through.

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

كتاب: مبادرة تعميق وتأصيل المعرفة بمفهومي القوامة والولاية

كتاب: مبادرة تعميق وتأصيل المعرفة بمفهومي القوامة والولاية

خرج للساحة الفكرية مؤخرا كتاب:" مبادرة تعميق وتأصيل المعرفة بمفهومي القوامة والولاية" وهو من فئة 198 صفحة، تنسيق نادية الشرقاوي وبشرى لغزالي. ويعد هذا الكتاب ثمرة علمية للمائدة المستديرة التي نظمها مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام بشراكة مع "حركة مساواة" الدولية، وبمشاركة أسماء بارزة من المغرب وخارجه...