مكتبة

المرأة في الخطاب القرآني

 

 

مونية الطراز

 

 

لا يُدرس وضع المرأة العربية والمغربية حين يُدرس إلا ويظهر ذلك المكوّن الإسلامي الذي يعبر عن التصاق شخصيتها بمقتضيات التشريع الإسلامي، ويؤكد خضوعها لتوجيهاته الأخلاقية والثقافية.

شخصية المرأة المغربية والعربية على حد سواء تمتح من معين الدين، وسلوكاتُها تعبر عن مستوى تعلقها به، ولكن هل يصح تجاوز هذا المكوّن الديني ما دام قد أثمر في شخصية المرأة كائنا عاجزا منكفئا على ذاته تابعا لغيره، يحتاج دائما إلى عنصر مكمّل خارج نوعه؟ الحقيقة أن وضعا كهذا يحتاج فعلا  إلى جرأة في الاعتراف، وقوة في الصدح وإعلان العطب، ولكن ليس من أجل استبدال هذا المكوّن بمكوّن دخيل عن الثقافة الأصيلة والمرجعية المؤسسة، فلا أظن ذلك يؤدي إلا إلى بناء شخصية ناقصة ظاهرها القوة وباطنها الضعف والاستغلال، هذا إذا أمكن القفز على الهوية المبنية على مقومات الدين المتغلغل في النفوس، ما أراه واقعيا، إذا صدقت إرادة التغيير و كان مراد الإصلاح الكشف عن أسبابٍ تُعلَّق عليها مسئولية تردي أوضاع المرأة المغربية والمسلمة، فلن تكون النصوص المؤسسة للمرجعية مشبوهة بحال من الأحوال، بل سيقف الباحث في العِلل على مسئولية المفاهيم المشوّهة والقراءات القاصرة للتنزيل، فهي المسئولة حتما عن هذا الوضع، وهي التي قدمت مسخا ثقافيا لا علاقة له بسماحة التشريع وسمو ما جاء به، حتى صرنا أمام نصوص تساق لغرض تكريس العقلية الذكورية التي حاربها الإسلام في الإنسان العربي، وتوظف لتقوية نفسية الاستبداد في الرجل الذي لم يتحلل من آثار السائد العربي قبل ظهور الإسلام.

إن الكثير من النصوص من قبيل قوله تعالى:﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ (يوسف 28) وقوله تعالى﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ﴾ (آل عمران 36) وغيرها من الآيات صار عليها شبه توافق بين الجنسين، وتقررت مدلولاتها المبتدعة في الأذهان وغدت تضرب مضرب الأمثال، وتوظف بمعزل عن السياقات التي وردت فيها والأسباب التي تنزلت بموجبها، فتكرست بفعل الترديد فُهوم غريبة وضَعت المرأة على الهامش، وكوّنت ثقافة منسجمة يصعب اقتلاعها، أضفى عليها المجتمع الكثير من الشرعية بما لبّسه عليها من نصوص أصبحت تعبر في نظر الناس عن المقصود الإلهي الذي لا يُردّ حكمه، والنص المنضبط منها براء.

إن المفاهيم الأصيلة في الخطاب القرآني لا يمكن أن تستنبط بدون نظرة شمولية وتركيبية للأنساق المعرفية المبثوثة في عموم القرآن الكريم، حيث أن التصور الإسلامي لقضايا الإنسان، لا يمكن أن تدل عليه آيات مجتزأة من الكل ولا أن تكشف عليه ألفاظ وعبارات، بل لا بد لهذا التصور من دراسة موضوعية تستند إلى الفهم الصحيح للألفاظ والآيات في مواضعها، وتركبها تركيبا سليما يفيد في إمداد الفكر الإسلامي بما يقيم به العمران البشري.

وهذا التمييز الحاصل بين النوعين تتحمل فيه المرأة النصيب الأوفر، ذلك أن الخطاب القرآني توجه إلى مطلق الإنسان، ولكن المرأة تخلفت عن المسئوليات الكبرى التي خوطب بها الكائن البشري، وهي ضمنه، وارتكنت إلى الأدوار الهامشية والتكاليف الجزئية التي خوطبت بها مباشرة مع أنها لا تعبر عن حقيقة دورها في الحياة، وزادها الرجل - على المستوى الشعبي وحتى على مستوى بعض طبقات المتعلمين - انتكاسة حين ناب عنها في قراءة النصوص ولَمّا يتخلص بَعدُ من نفسية الذكورة، تلك التي ورثها عن زمن ما قبل الإسلام، فأنتج فهوما لم يعكس غالبُها ذاك المحتوى الأصيل للخطاب القرآني بقدر ما عبّر عن مكنون نفسية القارئ. ومن المؤكد أنه لو تم النظر إلى النص بدافع العمل بمقتضاه لتبين ألاّ وجود لما يبرر التمييز الذي ورثناه عن عصور التخلف، ولتخلصنا من الكثير من الأفكار المغلوطة التي حجبت سمو التشريع المتعلق بالمرأة، ولوقفنا على زيف التفسير المشحون بالنقول المشكوك فيها، ولتبينا خطورة إذاعته من خلال الأحاجي، إلى جانب الكثير من نصوص الأحاديث الموضوعة والضعيفة، والتي تحتاج إلى تحقيق متونها وإخضاعها لمنهج المحدثين في علم الدراية.

لقد كان تناقل العلم بالمعنى على مستوى العامة مهلكة غيرت مجرى التاريخ الإسلامي وأودت بهيبته وكرامته، وقد روي عن الإمام مالك أنه كان يرد أحاديث بعض أهل العراق ويعلل ذلك بقوله تلك دار الضرب، يضربون الحديث بالليل ويروجونه بالنهار، والظاهر أن موضوع المرأة استأثر بسهم وافر مما وصفه مالك بالضرب، حتى صارت المرأة في المتخيل العربي والإسلامي، وفي خضم هذا التيه مجرد عورة وصنفا من الدرجة الثانية لا زال إلى اليوم من يعتبرها كذلك، و يعلنها مباشرة على الهواء، وقد هالني يوما أن سمعت أحد رموز الشاشات الدينية وقد سئل عن تحلي الرجل بسوار من فضة، فاستهل جوابه بقوله:" يا أخي لقد أكرمك الله أن خلقك رجلا..." وكأن المرأة لم تُكرّم بأن خلقها الله أنثى.

أنا هنا لما أثير هذه الآلام فمن باب التشخيص أفعل، ولا أرى من المصلحة أن نُبقي على الكثير من التراث الذي ظهر عَوَره كما هو عليه، هربا من بذل الوسع واستفراغ الجهد ومن التفكير والاستنباط، وكل ما من شأنه أن ينتج الأفهام الأصيلة المعبرة عن حقيقة التصور القرآني للكون والحياة والإنسان، و المرأة عنصر داخل هذه المحاور الثلاثة التي جاء القرآن الكريم برؤى واضحة حولها، واستحث العقل المسلم لإخراج تصورات سليمة من نصوصه قابلة للاستثمار حتى تكون دليلا للمرأة في علاقاتها بمحيطها، تسترشد بهدى تلك التصورات في سائر حياتها وتلمس ثمارها في الواقع.

إن النص وَعَد أن تتحقق السعادة للإنسان متى أحسن قراءة الوحي والكون واستخرج منهما ما يمده بالقوّة، ومتى أحسن تنزيل قراءته على الحياة وعمل بمقتضى ذلك التنزيل، ووعد أن لا يحصل تعارض أو تضارب بين مضامين الوحي المنزل من عند الله مهما اختلفت الجزئيات المستقاة من كلياته الشرعية، يقول تعالى:﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ (النساء 83) ويقول: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ (النساء 82)، فالحرية مبدأ كلي والعدالة أيضا وكذلك الكرامة، وغيرها من الكليات التي قصدها التنزيل، ويستحيل أن يجد باحث ما يناقض ما قررته الكليات في أدق جزئيات التشريع، والمرأة انسجاما مع هذا المعطى، وتماشيا مع مقتضيات مقاصد البعثة لا يمكن أن تخرج عن مستلزمات هذا الخطاب وخصائصه فتكون محرومة من الحرية والعدالة وناقصة الكرامة، ولا أن تكون على الهامش أو"فاعلا ثانويا"إلى جانب الذكر كما تقرر في الأذهان، وكل إقصاء أريد لأحد الجنسين من هذا التكريم فمؤداه لا محالة إلى ضرب عدالة القرآن وإنصافه.

النصوص تشير إلى أن الطبائع والخصال الفطرية عند الإنسان لا تختلف في أصل تركيبها سواء تعلق الأمر بالذكر أو الأنثى، ولذلك نجد أن الخطاب القرآني يركز على هذا الأمر في العديد من الآيات، كقوله تعالى ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ (المعارج 19-21) وقوله ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق 6-7) فطبائع الإنسان عامة، تشمل مطلق الإنسان بغض النظر عن نوعه، وتتصل هذه الطبائع بكل الجوانب النفسية، سواء منها تلك الجانحة إلى الفجور والفساد والإفساد، أو النفس الزاكية المائلة إلى الإصلاح والبناء والتقوى، الحافظة لخصائص التكريم الإلهي للإنسان وكمال الخلق الذي خصه به حين سواه في أحسن تقويم. ليس الإنسان إلا الرجل والمرأة، وهما مسئولان عن مساعيهما خيرا أو شرا، يقول تعالى مبينا بعض مضامين التنزيل:﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة 2) وحدد المسئوليات فقال ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (آل عمران 195) وقال ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ (الليل 3-4) كل نوع مسئول، إن صلاح فخير ينتظر، وإن فساد فشر، يقول تعالى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام 164)، القرآن الكريم لا يميز بين الذكر والأنثى سواء من حيث التكليف أو من حيث الجزاء، وكل تمييز طرأ فهو من فعل الإنسان، ولذلك فإن الدعوة إلى رفع الحيف عن المرأة يجب أن تنظر إلى سلامة النصوص وتعفيها من مسئولية انحراف السلوك الإنساني، لا أن تعمد إلى رفع تلك النصوص التي وضعت أساسا لإصلاح أحوال الناس، فالأمانة الكبرى والاستخلاف بمفهومه الحضاري والإعمار وغير ذلك من المسئوليات الكبرى وما يصاحبها من مطالب تحقيق الكليات الشمولية للتشريع، كإحقاق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والحريات العامة، كل ذلك ونحوه تخاطب به الأنثى بحكم خطاب العموم الذي يخلو من قرائن التخصيص، فالمرأة حين تبطل مفعول النص في واقعها تبتعد عن هداياته، وتحرم نفسها والناس من عظيم فضائله، وهي–إذن- حين تتخلف عن مسئولياتها تتقاعس عن الوفاء بما خوطبت به وجودا.

القرآن الكريم يخاطب المرأة ضمن عموم الإنسان بصفتها داخلة في صنف الناس وبني آدم والذين آمنوا... وغير ذلك من صيغ العموم الواردة في نصوصه، وهو حين يخاطبها ضمن الفئات التي تنتمي إليها يقدم لها حلولا للمشكلات الإنسانية، وطرائق عملية للنهوض الحضاري والبناء العمراني وليس فقط أحكاما للحيض والنفاس والعدة والطلاق، كما جرى تداوله عند الفقهاء.

إن الوعي بحقيقة دور المرأة تحقق فعلا في نساء الرعيل الأول، اللواتي قدمن البيعة للنبي (ص) في أيام العسر وقبل أن يشتد عود الإسلام، ورابطن على الثغور وقدمن أرواحهن مقابل المعتقد. نساء عهد النبوة وصدر الإسلام قدمن شواهد عن وعيهن بحقيقة أدوارهن في الحياة، وقد روي أن أم سلمة رضي الله عنها حين سمعت النبي (ص) يقول: يا أيها الناس، وجاريتها تمشطها، قالت لها استأخري عني، فقالت الجارية: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء،  فردت عليها: إني من الناس. انتفاضة أم سلمة هنا كان ضد فكر موروث كان يعتبر أن المرأة بعيدة عن الشأن العام، وهو ما لم تتخلص منه الجارية.

وإذا دققنا النظر في الخطاب القرآني فسنتبين أن ما وجه منه إلى المرأة أغلبه عام يخاطبها بما يخاطب به الرجل، وأما ما كان موجها منه إلى الأنثى خاصة واستثنى الذكور أو العكس، فأغلبه راجع إلى اعتبارات لا بد من فهم سياقاتها وملابساتها، وفيما يلي توضيحات نقدمها لرفع الالتباس عمن يظن أن الخطاب يفرق بين الجنسين ويكرس منطق التمييز.

أولا: الخطاب القرآني يقف عند الجوانب التي هُمشت فيها المرأة من قبل فيَذكُرُها حيث يُذكّر بمكانتها وأصلها وبالأدوار المنوطة بها، من باب إصلاح ما فسد، ويقدم العلاج لبعض الممارسات غير الطبيعية التي سادت الأمم السابقة، يقول تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (النساء 19) ويقول ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة 232) ويقول أيضا﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الَّلائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ( المجادلة 2) فذِكر المرأة خارج الخطاب العام جاء كما رأينا يفيد التصويب والتصحيح، ويُذَكّر الرجل بأهلية المرأة وكرامتها الإنسانية حتى تنتفي الموانع وترفع الآصار التي تعيقها عن المساهمة بفعالية داخل المجتمع.

ثانيا: الخطاب القرآني ذكر المرأة في بعض المواضع حذر أن يفهم المتلقي أن المخاطب الأول هو الذكر، انسجاما مع الثقافة السائدة التي تعتبر أن المرأة شخصية مندرجة فيه ولا تملك ناصية أمرها، وتبعا لذلك تخاطَب من خلاله، فميز بينهما حيث يفيد التمييز، وجمع بينهما ليوحي أنهما على مسافة واحدة في الخطاب، مثال ذلك ذكر أهل الصدقات في الآية دون تمييز لجنس ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى ﴾ (البقرة 264) ثم ذَكر جنس النساء إلى جانب الذكور﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ (الأحزاب 35).

ثالثا: ذِكر المرأة في الخطاب القرآني جاء للتأكيد على بعض مواطن التمايز الجسدي الذي يؤثر على اختلاف بعض الأحكام.

رابعا: ذِكرها بجنسها جاء استجابة لطلب النساء في بعض الأحيان، حيث قلن للنبي (ص)" ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال" ( مسند أحمد 26035).

خامسا: جاء الخطاب موجها للأنثى تكريما لها واحترازا من أن يُفهم من صيغة العموم التي تجمعها بالذكور على أنها غير معنية به، فكان توجيه الخطاب إليها من باب رفع اللبس يقول تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ﴾ (المتحنة 12).

سادسا: ذُكرت المرأة إلى جانب الرجل من أجل تأكيد التسوية بينهما ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (المائدة 38)، ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (النور 2).

وتُذكر المرأة في القرآن الكريم بحسب موقعها الأسري أما أو بنتا أو أختا أو زوجة..إلخ، أو ضمن الفئة التي تنتمي إليها ثيبات، أبكار، مؤمنات، كافرات إماء...إلخ، مما يدل على أنها مقصودة بالخطاب لذاتها حيثما تموقعت. ومن المفيد أن نؤكد على أن التنزيل عالج وضع المرأة بما يناسب موقعها داخل النسيج الاجتماعي الذي تعيش فيه، دون أن يسقط من الاعتبار قرب الخطاب من الزمن الجاهلي أو بعده عنه على سبيل التدرج في الإصلاح، لما في نعمة التدرج من تربية للنفوس على تقبل الوضع الجديد غير المألوف، فما انقضى التشريع حتى كانت المرأة في الخطاب القرآني تحتل موقعها الطبيعي إلى جانب الرجل دون أن تتطلع إلى ذلك أو تضع إمكانية تحققه في الحسبان.

ومن عجيب ما يصادف الدارس لنصوص القرآن الكريم أن التنزيل في بداية عهده أولى اهتماما بالغا بالأنثى من حيث هي أنثى، وكأن الخطاب كان مرتكزا حول إعادة الاعتبار للجنس المقهور، ولذلك كان الاهتمام كبيرا بتسوية الأوضاع وترتيب الأمور لكي لا يبقى بين الجنسين من الفوارق إلا ما تعلق بالبناء الجسدي، حتى إذا حُدّدت المهام كانا سواء في التكليف والمسئوليات وسواء في الميزان، إذ لا يعقل أن يسأل عن فعله من كان مغلوبا على أمره، مسلوب الإرادة والكرامة ناقص الأهلية. ولعل هذا من أسرار إيراد ذكر المرأة في بعض الآيات بصفتها الأنثوية مقرونة بالرجل على وجه التسوية في قوله تعالى ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (النحل 97) وقوله﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (الليل 3-4) وأما حين تكون مقصودة بشخصها فإنها تذكر بصفتها امرأة وتُقدَّم مثالا للنضج والكفاءة العقلية التي تمكّنها من ترجيح المصالح والمفاسد والاختيار الحر، كما ذكرت بلقيس في سورة سبأ وامرأة فرعون وحتى امرأة نوح وامرأة لوط في تحميلهما مسؤولية الأفعال، و تذكر عموما كنموذج مثالي مؤهل لتحمل المسئوليات المقبلة، وعلى هذا نفهم غلبة ورود لفظ الأنثى في الآيات المكية وهي بداية عهد النزول، حيث تبلغ نسبة هذا اللفظ 67 في المائة من مجموع ما ورد ذكرها فيه بهذا النعث من القرآن كله. إلا أن المرأة في الخطاب المدني لم تعد تخاطب بصفة جنسها أساسا لعدم الحاجة إلى إقرار ذلك حيث نجد أن الآيات المتعلقة بالمرأة في الخطاب القرآني المدني صارت تذكرها ضمن نسق اجتماعي متكامل وفي إطار وظائف تشغلها في المجتمع باعتبارها مكلفة مسئولة. إلا أن أهم ما يمكن ملاحظته ونحن نحصي ورود المرأة في الخطاب القرآني أنها أصبحت قوة حقيقية في المجتمع الإسلامي، فضعف بذلك الخطاب الموجه إليها كفرد وتقوى خطابها باسم النساء( 86 في المائة من مجموع الخطاب الموجه إليها بهذه الصفة)، ومعلوم أن من خصائص  الخطاب المدني اهتمامه بالبناء الأسري وموقع المرأة فيه، باعتبار الأسرة دعامة المجتمع، وكذا تأكيده على ضرورة الفعل العمراني لكل عضو من أعضاء المجتمع.

لقد عمل الخطاب القرآني طيلة زمن النزول على تربية النفوس على السمو الحضاري كعامل أساس في البناء العمراني، ولذلك سعى إلى القضاء على كل ما من شأنه أن يعيق بهاء التصور ومتانة العمران، فمنع أسباب دمار العقول كشرب الخمر وأسباب دمار الاقتصاد كربا الأموال، وأسباب دمار المجتمع كالزنا، وسار بكثير من الاختلالات الاجتماعية نحو التصويب كما فعل مع أوضاع المرأة، وقبل أن ينقطع الوحي قدّم قواعد تحفظ ما تحقق لصالح الإنسان، ومناهج تسير به نحو الكمال عن طريق حثه على الاجتهاد و التجديد الذي يراعي الكليات العامة المذكورة آنفا، إلا أن مستجدات الحياة في غياب اجتهاد واع يحفظ الأصول، فعلت فعلتها في العقول الجامدة التي عطلت الكثير من الكليات بما هي قوام التشريع، والمرأة كانت مع الأسف على مرمى حجر من أعين الجمود، فصار الخطاب القرآني على لسان البعض – وإن حسنت نيتهم – سببا في تقويض دعائم العمران وهدم أركانه.

فالمطلوب من المرأة اليوم أن تنظر في حقيقة هويتها بعيون مبصرة، وتنظر إلى حقيقة ما تختزنه في نفسها من قيم حضارية سامية تحتاج إلى إحياء، ولن يتحقق لها المراد إلا بالقراءة الواعية والحضارية المتبصرة لحقائق التنزيل. تحتاج المرأة حقا إلى ثقتها بذاتها وثقتها بما بين يديها من بصائر قرآنية تستنير بها في ظلمات العصر الحالكة. فالمرأة أكبر بكثير من أن توضع إلى جانب الأشياء التي يحتفى بها، ومتى تصالحت مع ذاتها ستستغني لا محالة عن زيف الاحتفال الشكلي بيوم سمي باسمها.



 
2011-12-10 06:21GPyNqQYuCjDVU

Right on-this helped me sort tinhgs right out.

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

"مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام"

في إطار تفعيل مقتضيات الظهير الشريف المؤسس للرابطة المحمدية للعلماء في تنشيط حركة البحث العلمي في الدراسات الإسلامية عموما والإسهام في إغناء التراث الإسلامي بخصوص قضايا المرأة خصوصا، تم الإعلان عن إطلاق أعمال "مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام"، من خلال توقيع كتاب "القرآن والنساء.. قراءة للتحرر" لرئيسة المركز "أسماء لمرابط" في ترجمته إلى اللغة العربية، أثناء المحاضرة التي ألقاها الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء "أحمد عبادي" في إطار الدورة 16 للمعرض الدولي للنشر والكتاب.